مذكرات رجل مشاغب

 

الولد الشقي سابقًا

إهداء

إلى من أعطت الكثير… ثم رحلت.

إلى امرأة أعطت، ثم لم يسعفها القدر لتكملة عطائها…

قصتي مع الجنية ريم صالح…

الفصل الأخير

إلى ريم… التي كرهت لقب «الجنية»، ثم أحبته في آخر أيامها.

بقلم: فايل المطاعني الحكواتي

والحمد لله… نجحت في إبعاده عنهم، بعد معاناة شديدة.

هكذا قالتها السندريلا العراقية، وكأنها كانت تعلن انتصارًا طال انتظاره.

ثم تابعت:

لقد أصبح عليّ رجلًا آخر، وابتعد عن كل ما كان يحيط به من قبل، وأصبح مؤذنًا وخطيبًا في أحد المساجد.

تغيّر عليّ.

نعم… تغيّر تمامًا.

كنت أستمع إليها وأنا أشعر أن الحكاية، للمرة الأولى، بدأت تسير نحو نهاية سعيدة.

قلت في نفسي:

ربما تنتهي الحكاية هنا.

لكن السندريلا لم تكن قد قالت كلمتها الأخيرة بعد.

توقفت عن الحديث.

طال صمتها حتى ظننت أنها أنهت المكالمة، أو ربما قررت أن ترحل عن حكايتي، كما رحل كثيرون عن حكاياتنا دون استئذان.

ومرت فترة ليست بالقصيرة.

ثم عادت.

لكن هذه المرة لم يكن صوتها كما عرفته.

كان قريبًا من الهمس.

قالت:

ــ تريد أن أخبرك متى تنشر قصتي، أليس كذلك؟

ابتسمت، وقلت:

ــ نعم… فأنا كاتب، والكاتب لا يترك الحكايات معلقة.

سكتت قليلًا.

ثم قالت بهدوء غريب، هدوء كنت أكاد أحسدها عليه:

ــ عندما أموت.

توقفت.

لم أعرف ماذا أقول.

ثم أضافت:

ــ أنا مريضة بالسرطان… وأيامي معدودة.

كانت الجملة قصيرة.

لكنها سقطت عليّ كأن أحدهم أغلق بابًا في وجه الضوء.

تابعت:

ــ أمنيتي الأخيرة أن تكتب قصتي… قصة «الجنية».

في تلك اللحظة، لم أعد أسمع صوت امرأة تحكي عن ساحر وجن وعشق ومعارك.

كنت أسمع إنسانة تعرف أن الوقت يضيق، وتريد أن تترك شيئًا منها قبل أن ترحل.

ووعدتها

وكتبت قصتها.

وخرجت «قصة الجنية» إلى النور، والحمد لله، ولاقت صدى واسعًا.

كنت أريد أن أغيّر الموضوع.

ربما لأنني لم أكن أحتمل أن أسمع المزيد عن الموت.

فقالت فجأة:

ــ تذكر عندما التقيت بك أول مرة في تلك الحفلة؟

قلت:

ــ نعم، أذكر.

قالت:

ــ لقد أخبره أصدقاؤه أنني موجودة، وأنني بصحبة رجل غريب.

ثم تابعت:

ــ غضب… وأمرني بالخروج فورًا.

قاطعتها

ــ لحظة… كيف علم بذلك؟ ومن أصدقائه؟ ألم تقولي إنه تاب وأصبح جنيًّا صالحًا؟ أقصد… رجلًا صالحًا؟

قالت:

ــ نعم، تاب عن فعل الشر، ولكنه لم يتب من الغيرة… وما أدراك ما تفعله الغيرة!

ثم أضافت:

ــ لقد تشبّه بك.

سكتُّ.

ثم قالت:

ــ لم يتحدث، لكنني رأيت صورته… فعرفت أنه هو.

لذلك خرجت مسرعة.

ثم سكتت، وكأنها كانت تنتظر ردة فعلي.

أما أنا..

فلم تكن لديّ ردة فعل أصلًا.

كنت أحاول أن أستوعب ما سمعته.

قلت في نفسي:

لم أتصور أن يأتي يوم يتشبّه فيه الجن بي!

وهنا، ولأول مرة، لم أعرف هل أضحك من غرابة الموقف، أم أتوقف طويلًا أمامه.

فأنا الحكواتي الذي اعتاد أن يطارد الحكايات…

لكن يبدو أن إحدى الحكايات قررت هذه المرة أن تطاردني أنا!

بعد تلك المحادثة، بعدة أيام، دخلت ريم المستشفى.

ومنذ ذلك اليوم، أصبحت أسأل عنها يوميًا.

كنت أقرأ لها ما كتبته من فصول «قصة الجنية».

كانت تستمع.

وحين أنتهي من القراءة، كانت تبتسم.

ثم تقول:

ــ كنت أكره لقب «الجنية»…

وتسكت لحظة.

ثم تضيف:

ــ لكنني الآن أحببته.

ربما لأنها أدركت أن الإنسان لا يختار دائمًا الاسم الذي تتركه الحكاية له.

وقد لا يختار حتى الطريقة التي يتذكره بها الآخرون.

لكن يستطيع أن يختار شيئًا واحدًا:

أن يترك خلفه أثرًا.

وفي ليلة من ليالي الشتاء الباردة، من عام 2021م، رحلت ريم.

رحلت الجنية…

هذه المرة دون أن تترك لي فرصة لسؤال آخر.

ودون أن تقول:

«أيها الكاتب الأنيق… هل أنت معي؟»

كنت معها…

لكنها هذه المرة كانت قد ذهبت إلى مكان لا يستطيع الكاتب أن يلحق بها إليه.

وبعد وفاتها، علمت من أختها أن عليًّا، عندما عرف بموت ريم، انتحر.

وهنا توقفت طويلًا.

فالحب الذي بدأ بحكاية غريبة…

انتهى بحكاية أكثر وجعًا.

امرأة رحلت بالمرض.

ورجل رحل بعدها بإرادته.

وبين الرحيلين بقيت أنا…

أحمل حكاية امرأة طلبت مني، قبل أن تموت، ألا أدع قصتها تموت معها.

أما آخر كلمة قالتها قبل رحيلها، فكانت:

«حافظوا على أحلامكم… حتى لو أحبكم جني.»

ومنذ ذلك اليوم، كلما فتحت ملف «قصة الجنية»، لم أعد أرى الكلمات وحدها.

أرى وجه ريم.

أسمع صوتها.

وأتذكر أنها لم تطلب مني أن أنقذها من الموت…

كل ما طلبته أن أنقذ حكايتها من الاندثار.

ولعل أقسى ما في الحكايات ليس أن يموت أبطالها…

بل أن يحمل الحكواتي أصواتهم في ذاكرته، ويعرف أن الصفحة الأخيرة التي يكتبها عنهم لن تعيدهم إلى الحياة.

لقد رحلت ريم…

ورحل عليّ…

أما الحكاية، فما زالت هنا.

وكلما قرأها أحد، عادت ريم للحظة…

وكأن الجنية معنا الآن، ونحن نقرأ قصتها، وهي تبتسم وتقول لي:

«عزيزي… أحسنت.»

مع تحيات

الولد الشقي سابقًا…

الحكواتي حاليًا.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

مذكرات رجل مشاغب

  الولد الشقي سابقًا الفصل الثالث بقلم: فايل المطاعني الحكواتي هذه الحكاية حقيقية، ولكن الأسماء الواردة فيها غير حقيقية. انتظرت اتصالها القادم بفارغ الصبر. كانت في رأسي أسئلة كثيرة؛ بعضها كنت أعرف كيف أطرحه، وبعضها الآخر لم أكن أعرف حتى من أين أبدأ به. فليس من السهل أن تقول لك امرأة إنها أحبت ساحرًا، ثم تتوقف في منتصف الحكاية وتتركك معلقًا، وكأن المطلوب منك أن تصفق…

قصص وعبر 

ا. محمد باجعفر قصة الصحابي الذي أفشى سراً حربياً ونزل فيه قرآن ؟ قبيل فتح مكة، كان الرسول- صلى الله عليه وسلم- يمكث في معسكره بين أصحابه، يعزم على أن يفاجئ أهل مكة بالغزو، وكان الأمر سرًا بينه وبين أصحابه، وكان في مكة مسلمون يخفون إسلامهم، وكان هدف الفتح كسائر فتوحات المسلمين هو دعوة الناس للإسلام ومنع الفتنة، حيث قال تعالى: “وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

الصورة التي تحكي أكثر من ألف كلمة

الصورة التي تحكي أكثر من ألف كلمة

مبارك العدوس يكتب عنوانًا جديدًا للكرم.. حيث استضاف ثلاثة عرسان على نفقته الخاصة

مبارك العدوس يكتب عنوانًا جديدًا للكرم.. حيث استضاف ثلاثة عرسان على نفقته الخاصة

محمد عبد القادر رئيسًا للإتحاد العربي للإعلام السياحي

محمد عبد القادر رئيسًا للإتحاد العربي للإعلام السياحي

مفتي الجمهورية يأسف لمحاولة استهداف مكة المكرمة ويؤكد تضامنه مع المملكه

مفتي الجمهورية يأسف لمحاولة استهداف مكة المكرمة ويؤكد تضامنه مع المملكه

إيقاع العابر الندي

إيقاع العابر الندي

مذكرات رجل مشاغب

مذكرات رجل مشاغب

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode