عبيرعبدالوهاب فكيره

عبيرعبدالوهاب فكيره

في غمرة الحياة المتسارعة، نجد أنفسنا أحياناً كمن يركض في مضمار لا نهاية له. نبحث دائماً عن الإنجاز القادم، والهدف الأكبر، والمنعطف التالي. وفي زحام هذا الركض المستمر، نقع في فخ نفسي يُسمى “اعتياد النعم”؛ حيث تتحول أثمن الأشياء حولنا إلى مجرد تفاصيل صامتة لا نلاحظها إلا إذا فقدناها. هنا يأتي دور “الامتنان الواعي”

ليس ككلمة شكر عابرة بل كأداة حية تعيد صياغة جودة حياتنا من الداخل للخارج. 

 الامتنان الواعي هو باختصار: فن إبطاء السرعة لرؤية المشهد بالكامل .

هو أن تدرّب عينيك وعقلك على رصد الجمال المخفي في التفاصيل اليومية البسيطة هو ألا تنتظر حدثاً ضخماً لتشعر بالرضا، بل أن تجد البهجة في كوب قهوة ساخن، أو في نسمة هواء باردة في مسائك، أو في ضحكة عفوية مع صديق، أو حتى في قدرتك على التنفس بعمق وسلام دون ألم. 

خلف هذا المفهوم الإنساني تقف حقائق علمية مذهلة. عندما نمارس الامتنان بوعي، فإننا نرسل إشارات مباشرة للدماغ تفرز هرمونات السعادة والرضا (مثل الدوبامين والسيروتونين). هذا التمرين العقلي يحوّل تركيز الإنسان تلقائياً من لغة “النقص والمقارنة” إلى لغة “الوفرة والامتلاك”. بدلاً من أن تسأل نفسك “ماذا ينقصني اليوم؟”، يسألك وعيك “ما هي النعم المتاحة لي الآن لأعيشها بكل جوارحي؟”. 

كيف نحول الامتنان إلى أسلوب حياة؟

الجمال في الامتنان الواعي أنه لا يحتاج إلى وقت، بل يحتاج إلى “حضور ذهني”. ويمكننا تطبيقه عبر خطوات بسيطة: 

تأمل النعم المعتادة: خذ دقيقة واحدة صباحاً لتأمل أمان بيتك، أو سلامة جسدك. انظر للمألوف بعين جديدة كأنك تراه لأول مرة.

دفتر ليلة مبهجة: قبل النوم، اكتب ثلاثة أشياء جميلة حدثت في يومك، مهما كانت متناهية الصغر. كتابتها تجعل العقل ينام وهو يستحضر الدفء والرضا.

شكر الآخرين بوضوح: عندما تشكر أحداً، أخبره بالسبب بالتحديد (مثلاً: “شكراً لأنك أنصتّ لي باهتمام اليوم”، أو “شكراً على ابتسامتك المبهجة”). هذا ينقل طاقة الامتنان للمجتمع.

الأثر المجتمعي لثقافة التقدير

عندما يتبنى المجتمع ثقافة الامتنان، تتغير نبرة الحوار من الشكوى والتشاؤم إلى التفاؤل والعمل. يقل التناحر وتزيد الألفة، ويصبح الأفراد أكثر مرونة في مواجهة تقلبات الحياة؛ لأن لديهم ركيزة داخلية صلبة من الرضا. إن تقدير التفاصيل الصغيرة هو السر العظيم لحياة عميقة، غنية، ومستقرة نفسياً.

تحياتي 

ابنة مكة المحبة:

صدي نيوز اس 6

Related Posts

الوطن في قلوبنا.. والاستعداد لليوم الوطني السعودي الـ96

  بقلم أ. غميص الظهيري العربية السعودية بكل أطيافها للاحتفاء بهذه المناسبة الغالية، التي تتجدد معها مشاعر الفخر والانتماء والاعتزاز بوطنٍ عظيم، جعل من مسيرته التاريخية حكاية نجاح تتناقلها الأجيال. وفي هذه المناسبة الوطنية العزيزة، تتسابق الجهات الحكومية والقطاع الخاص والجمعيات الخيرية والشعراء والفرق التطوعية وأفراد المجتمع كافة، لتقديم البرامج والفعاليات التي تليق بمكانة هذا اليوم، وتعكس حجم المحبة التي يحملها أبناء الوطن لوطنهم وقيادته. وتشارك…

اختلافنا يصنع جمالنا

كاتبة رأي ايمان المغربي لم يخلق الله عز وجل الحياة على صورة واحدة ولم يجعل البشر نسخاً متشابهة بل جعل الاختلاف جزءاً من طبيعة الحياة نختلف في أشكالنا وألواننا وأصواتنا وطباعنا وقدراتنا وليس في هذا الاختلاف نقص فالحياة تقوم على التنوع الذي يجعل لكل إنسان صفته الخاصة ومكانه المختلف. ونختلف كذلك في طريقة التفكير والأولويات والتعبير عن المشاعر والاختيارات وليس كل اختلاف يعني أن أحدنا على…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

انطلاق مزاد المركز الوطني للصقور لصقور الطرح المحلي مطلع أكتوبر

انطلاق مزاد المركز الوطني للصقور لصقور الطرح المحلي مطلع أكتوبر

عبيرعبدالوهاب فكيره

عبيرعبدالوهاب فكيره

مسؤول بمنظمة السياحة العربية يحتفي برئيس الإتحاد العربي للإعلام السياحي

مسؤول بمنظمة السياحة العربية يحتفي برئيس الإتحاد العربي للإعلام السياحي

مركز التنمية بمكة ينظم برنامجاً احتفاليا بمناسبة اليوم الوطني

مركز التنمية بمكة ينظم برنامجاً احتفاليا بمناسبة اليوم الوطني

العلاج الآمن تحتفي بيوم الوطن برسم البهجة على وجوه أطفال الأورام 

العلاج الآمن تحتفي بيوم الوطن برسم البهجة على وجوه أطفال الأورام 

«ساعد للبحث والإنقاذ» توقّع شراكة استراتيجية مع أمانة العاصمة المقدسة وتطلق مبادرة «فزعة بلدي»

«ساعد للبحث والإنقاذ» توقّع شراكة استراتيجية مع أمانة العاصمة المقدسة وتطلق مبادرة «فزعة بلدي»

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode