الكاتبة / وجنات صالح ولي
ليس كل ما نحتفظ به داخل صدورنا يُرى. هناك أشياء لا توضع في صناديق مغلقة، ولا نعلقها على الجدران، لكنها تعيش داخلنا كأنها معرض لا يُغلق… متحف خاص، لا يدخله أحد سوانا، ولا يملك مفتاحه إلا نحن.
في هذا المتحف، تُعرض لحظات لم تكتمل، وكلمات لم نمتلك الجراءة لقولها ، ووجوه مرّت بنا ولم تمكث طويلاً لكنها تركت أثراً يشبه الندبة الخفيفة… لا تؤلمنا دائماً، لكنها لا تختفي. هناك ضحكات كنا نظنها بداية لشيء جميل، وانتهت قبل أن نفهمها ، وهناك صمت كان أبلغ من ألف حديث، لأن القلب حينها كان يعرف ما لا تستطيع اللغة حمله.
نحن نحتفظ بأدق التفاصيل دون أن نشعر. نعرف كيف كان صوتهم حين ينادون أسماءنا، كيف كانت نظراتهم في اللحظة التي تغيّر فيها كل شيء، وحتى تلك المسافات الصغيرة بيننا وبينهم… نحفظها كما لو أنها خريطة ضائعة، نحاول فهمها متأخرين.
متحف الذكريات لا يحتاج إلى ترتيب، فهو منظم بطريقة غريبة وقاسية. يعيد لك نفس الشعور بنفس القوة، كأن الزمن لم يتحرك خطوة واحدة. تمرّ أمام ذكرى قديمة، فتجد قلبك يتصرف وكأنها حدثت الآن، وكأنك ما زلت هناك، في نفس المكان، بنفس الضعف، أو بنفس الحب.
والأصعب في هذا المتحف… أنه صامت. لا أحد يسمع ما يدور فيه، ولا أحد يرى تلك الفوضى المرتبة داخلك. تبتسم أمام الآخرين، بينما داخلك جولة كاملة بين ذكريات لم تودّعها كما يجب، ولم تُغلق أبوابها بإحكام. تضحك، وأنت في داخلك تقف أمام لوحة لم تكتمل.
لكن، لعلّ في هذا الصمت حكمة.
لأن بعض الذكريات لا تُنسى… ليس لأنها عظيمة، بل لأنها غيّرتنا. جعلتنا نرى أنفسنا بوضوح أكبر ونضج بقناعة تامة، نعيد ترتيب مشاعرنا، ونتعلّم كيف نحمي قلوبنا دون أن نقسو عليها. تلك اللحظات التي ظنناها عابرة هي التي أعادت تشكيلنا، وهي التي علمتنا الفرق بين الجرعة والغذاء، وبين من يعمّر ومن يهدم.
نحن لا نخرج من هذا المتحف كما دخلنا، كل زيارة تغيّر شيئاً… تضيف نضجاً، أو تُعيد وجعاً، أو تمنحنا قدرة غريبة على الفهم. وربما، في يوم ما، نتوقف عن الهروب منه… ونجلس وسطه بهدوء، لا لنحزن، بل لنُدرك أننا نجونا.
*وبقلمي أنا أقول:*
نحن لسنا سجناء هذا المتحف، نحن حراسه. ولسنا مطالبين أن نغلقه، بل أن نعرف كيف نزوره دون أن نفقد أنفسنا، وكيف نحمل ذكرياتنا معنا دون أن نحمل ثقلها.
ما كان يؤلمنا يوماً… أصبح اليوم جزءاً من قوتنا.






