بقلم أحمد علي بكري
هناك نعم عظيمة نعيشها كل يوم حتى نكاد لا نشعر بوجودها، لأنها أصبحت جزءًا من تفاصيل حياتنا المعتادة، لا تلفت انتباهنا ولا تدفعنا إلى التوقف عندها طويلاً. نستيقظ في الصباح على أصوات الحياة من حولنا، نفتح أبواب منازلنا، نخرج إلى أعمالنا ومدارسنا، نسير في الطرقات، نشتري احتياجاتنا، نعود إلى أسرنا، نجتمع مع أهلنا، ونضع رؤوسنا على وسائدنا في نهاية اليوم ونحن مطمئنون على أنفسنا ومن نحب. تبدو هذه المشاهد عادية ومتكررة، لكنها في حقيقتها تختصر معنى نعمة عظيمة اسمها الأمن والاستقرار. وربما لا يعرف الإنسان قيمة النعمة وهي بين يديه، لأن النفس بطبيعتها تألف ما يتكرر، حتى تصبح النعمة مألوفة في نظر صاحبها، ولا ينتبه إلى عظمتها إلا عندما يرى من فقدها أو عندما يتغير حاله ويصبح ما كان يراه أمراً بسيطاً حلماً بعيد المنال. ومن هنا تأتي أهمية استشعار النعم قبل فقدها، والتوقف عند التفاصيل التي قد تبدو صغيرة لكنها في حقيقتها أساس الحياة الكريمة. إن مشاهدة إنسان فقد وطنه، أو اضطر إلى ترك منزله، أو أصبح يعيش تحت الخوف والقلق، أو بات لا يعرف ماذا يحمل له الغد، كفيلة بأن تجعل الإنسان يعيد النظر في كثير من الأشياء التي اعتاد عليها. فحين يرى الإنسان أسرة تفرقت بسبب الحرب، أو طفلاً حُرم من مدرسته، أو أباً أصبح همه الأول تأمين سلامة أبنائه، أو أماً لا تعرف هل سيعود أبناؤها إليها سالمين، يدرك أن الأمن ليس مجرد كلمة تُقال، وإنما هو نعمة تمتد آثارها إلى كل جانب من جوانب الحياة. إن نعمة الأمن تبدأ من شعور الإنسان بأنه يستطيع أن يعيش يومه دون خوف، وأن يتحرك في وطنه دون أن يحمل هاجس الخطر، وأن يرسل أبناءه إلى مدارسهم مطمئناً إلى عودتهم، وأن يذهب إلى عمله ثم يعود إلى بيته، وأن ينام في الليل وهو يعلم أن أسرته تحت سقف آمن. وهذه التفاصيل التي قد لا نشعر بها لكثرة تكرارها هي في الحقيقة من أعظم ما يمكن أن ينعم به الإنسان. فالأمن ليس فقط غياب الحرب، وإنما هو حضور الطمأنينة في تفاصيل الحياة؛ هو أن تشعر الأسرة بالاستقرار، وأن يجد الطالب مدرسته، والمريض مستشفاه، والعامل عمله، والتاجر سوقه، والمسافر طريقه، وأن تستمر الحياة بصورة طبيعية دون أن يتحول المستقبل إلى مصدر دائم للخوف. وفي وطننا، حين يتنقل الإنسان بين مدنه ومحافظاته وقراه، وحين يسافر عبر الطرق الطويلة، وحين يذهب إلى البحر أو الجبل أو السوق أو مقر عمله، فإنه يعيش هذه النعمة في صور متعددة ربما لا يتوقف عندها. إن القدرة على التنقل، والعيش، والعمل، والتعليم، والعلاج، وممارسة الحياة الاجتماعية، وزيارة الأقارب، وإقامة المناسبات، والاحتفال بالمناسبات الوطنية، كلها صور مرتبطة بمنظومة واسعة من الأمن والاستقرار. وقد يمر الإنسان أمام رجل الأمن في الطريق دون أن يتأمل طبيعة المهمة التي يؤديها، وقد يشاهد رجال القوات المسلحة وحرس الحدود وغيرهم وهم يؤدون واجباتهم، ثم يواصل يومه بصورة طبيعية، بينما يقف خلف هذا الاستقرار رجال يبذلون جهوداً كبيرة لحماية الوطن والمحافظة على أمنه وسلامة حدوده ومجتمعه. ومن الإنصاف أن نتذكر أن الأمن الذي نراه في الشوارع والمنازل والمدن لم يأتِ من فراغ، وإنما هو ثمرة عمل متواصل ومسؤولية تقوم بها أجهزة الدولة ومؤسساتها ورجالها، إلى جانب وعي المجتمع وتعاونه والتزام أفراده بالأنظمة والتعليمات. ولذلك فإن شكر نعمة الأمن لا يكون بمجرد الحديث عنها، بل يكون بالمحافظة عليها، واحترام النظام، والابتعاد عن الفوضى، وعدم نشر الشائعات، وعدم الإسهام في إثارة القلق أو العبث باستقرار المجتمع. فالمواطن جزء من منظومة الأمن، وكل فرد يستطيع أن يؤدي دوره في حماية مجتمعه من خلال سلوكه ومسؤوليته ووعيه. إن الاعتياد على النعم قد يجعل الإنسان يركز أحياناً على ما ينقصه وينسى ما يحيط به من نعم. قد ينشغل بزحام طريق، أو ارتفاع سعر سلعة، أو تأخر خدمة، أو مشكلة يومية عابرة، وهذه أمور يمكن للإنسان أن يطالب بتحسينها ومعالجتها، لكن من المهم ألا تجعلنا هذه التفاصيل نغفل عن النعمة الأكبر التي تحيط بنا. فمن حق الإنسان أن يطمح إلى الأفضل، ومن حقه أن يطالب بتطوير الخدمات وتحسين جودة الحياة، ولكن من الحكمة كذلك أن يرى الصورة كاملة، وأن يدرك أن تحسين الحياة لا يعني إنكار ما تحقق فيها من أمن واستقرار ومكتسبات. إن الإنسان يستطيع أن يطلب المزيد وهو شاكر، وأن يسعى إلى التطوير وهو مقدر لما لديه، وأن يطمح إلى المستقبل دون أن يحتقر نعم الحاضر. والوطن في هذا السياق ليس مجرد مساحة جغرافية يعيش فيها الإنسان، بل هو البيت الكبير الذي يحتضن الأسرة والذكريات والطموحات والأحلام. هو المكان الذي نشأنا فيه، وعرفنا طرقاته، وارتبطت به ذكريات طفولتنا، وفيه آباؤنا وأمهاتنا وأبناؤنا وأصدقاؤنا، ومنه تبدأ حكاياتنا وإليه تعود مشاعرنا. ولهذا فإن قيمة الوطن تظهر بصورة أكبر عندما نرى من فقد وطنه أو اضطر إلى مغادرته، فنفهم أن وجود مكان آمن يعود إليه الإنسان في نهاية يومه نعمة لا تقدر بثمن. الوطن الآمن يمنح الإنسان فرصة لأن يخطط للمستقبل، وأن يربي أبناءه، وأن يبني منزله، وأن يعمل ويستثمر ويتعلم، وأن يحلم بما يريد أن يحققه بعد سنوات. أما حين يختفي الاستقرار، فإن أبسط الخطط تتحول إلى أمنيات مؤجلة، ويصبح الإنسان منشغلاً بتأمين يومه بدلاً من بناء غده. ومن أعظم النعم التي يكشفها الأمن نعمة الأسرة. فما أجمل أن يجتمع الأب بأبنائه في نهاية اليوم، وأن تجلس الأسرة حول مائدة واحدة، وأن يتبادل أفرادها الأحاديث والضحكات، وأن يخرج الأبناء إلى مدارسهم ثم يعودوا إلى منزلهم، وأن يستطيع الإنسان زيارة والديه وأقاربه دون خوف أو عوائق تهدد سلامتهم. قد يظن الإنسان أن هذه اللحظات مضمونة، لكنها ليست كذلك، ولذلك فإن تقديرها من علامات الوعي بقيمة الحياة. إن الأسرة لا تحتاج دائماً إلى المناسبات الكبيرة حتى تجتمع؛ أحياناً تكون أعظم الذكريات في جلسة عائلية بسيطة، أو فنجان قهوة مع الوالدين، أو حديث قصير مع الأبناء، أو زيارة قريب. وهذه النعم لا تُقاس بالمال، ولا تُشترى في الأسواق، وإنما تُعاش ويُحمد الله عليها. كما أن نعمة التعليم من النعم التي قد تصبح مألوفة في نظر الإنسان. فالطالب الذي يذهب إلى مدرسته صباحاً، والمعلم الذي يدخل فصله، والأسرة التي تخطط لمستقبل أبنائها، كلهم يعيشون في منظومة مستقرة تسمح بالتعلم والنمو. وكذلك نعمة الصحة والعلاج، فوجود المستشفيات والمراكز الصحية والطواقم الطبية والخدمات العلاجية يمنح الإنسان شعوراً بالأمان في مواجهة المرض، وهي نعمة قد لا يشعر بقيمتها إلا عندما يواجه ظرفاً صحياً يحتاج فيه إلى الرعاية. ومن هنا فإن التأمل في النعم لا يعني فقط النظر إلى الأشياء الكبيرة، بل النظر إلى كل التفاصيل التي تجعل الحياة ممكنة ومستقرة. وربما كانت النعم الخفية أكثر من النعم التي نستطيع عدها، لأن الإنسان يعيش داخل شبكة واسعة من الخدمات والأمن والاستقرار والعمل والمؤسسات والأسرة والمجتمع، ثم يختصر كل ذلك في عبارة بسيطة: «حياتي طبيعية». والحياة الطبيعية نفسها نعمة عظيمة. أن تكون حياتك طبيعية، وأن يكون الخوف استثناء لا قاعدة، وأن يكون الاضطراب خبراً تسمعه لا واقعاً تعيشه، وأن تكون الحرب شيئاً تقرأ عنه لا شيئاً تسمع أصواته، وأن يكون بيتك مكاناً للطمأنينة لا مكاناً للترقب؛ كل ذلك يستحق أن نقف عنده ونحمد الله عليه. إن الإنسان قد يحتاج أحياناً إلى أن يخرج من دائرة الاعتياد حتى يرى الأشياء بوضوح. أن ينظر إلى منزله وكأنه يراه للمرة الأولى، وأن يتأمل وجوه أبنائه، وأن يستمع إلى أصواتهم، وأن ينظر إلى الطريق الذي يسلكه كل صباح، وأن يدرك أن وراء هذه التفاصيل نعماً متراكمة لا يشعر بها إلا من فقدها. ولذلك فإن من أعظم صور شكر النعمة أن نحافظ عليها، وأن نربي أبناءنا على تقديرها، وأن نعلمهم أن الأمن ليس أمراً عابراً، وأن الوطن ليس كلمة تُقال في المناسبات، وأن الاستقرار مسؤولية يتشارك فيها الجميع. فالأجيال الجديدة تحتاج إلى أن تعرف أن ما تعيشه من أمن وراحة واستقرار هو ثمرة جهود وتضحيات وعمل متواصل، وأن المحافظة على هذه المكتسبات مسؤولية أخلاقية ووطنية. ومن صور الوفاء للوطن أن يكون الإنسان إيجابياً في مجتمعه، مخلصاً في عمله، حريصاً على النظام، محافظاً على الممتلكات العامة، متعاوناً مع الآخرين، واعياً بخطورة الشائعات والمعلومات المضللة، وحريصاً على ألا يكون سبباً في نشر الخوف أو الفوضى. فالوطن لا يُبنى بالكلمات وحدها، وإنما يبنى بالعمل والإتقان والمسؤولية، وكل فرد يستطيع أن يترك أثراً إيجابياً في المكان الذي يعيش فيه. كما أن حب الوطن لا يعني تجاهل المشكلات أو عدم السعي إلى التطوير، بل يعني أن يكون الإنسان حريصاً على وطنه، فيطالب بما يراه من تطوير، ويسهم فيما يستطيع من بناء، ويحافظ في الوقت نفسه على مكتسباته ونعمته الكبرى. إن الشعور بالامتنان لا يتعارض مع الطموح، بل إن الإنسان الذي يعرف قيمة ما لديه يكون أكثر قدرة على المحافظة عليه وتطويره. وعندما نرى وطننا يمضي في مسيرة التنمية والتطوير، فإن علينا أن ندرك أن الاستقرار هو الأرض التي تُبنى عليها كل إنجازات التنمية؛ فلا اقتصاد قوي بلا استقرار، ولا تعليم مزدهر بلا أمن، ولا سياحة ناجحة بلا طمأنينة، ولا حياة اجتماعية مستقرة بلا بيئة آمنة. ولذلك فإن الأمن هو الأساس الذي تقوم عليه تفاصيل كثيرة قد لا نربط بينها وبينه بصورة مباشرة. إن نعمة الوطن الآمن تظهر في كل شيء تقريباً: في حركة الأسواق، وفي المدارس والجامعات، وفي المستشفيات، وفي الطرق، وفي الموانئ والمطارات، وفي المشاريع، وفي السياحة، وفي الفعاليات الثقافية والرياضية والاجتماعية، وفي قدرة الناس على التخطيط لمستقبلهم. وكل هذه المشاهد اليومية تستحق أن نتأملها بعين مختلفة، لا بعين الاعتياد الذي يجعلها أمراً مسلماً به، وإنما بعين الشكر التي تدرك قيمتها. وفي نهاية المطاف، يبقى الأمن من أعظم النعم التي ينبغي للإنسان أن يستشعرها قبل أن يفكر في أي شيء آخر، لأن الإنسان إذا أمن على نفسه وأهله استطاع أن يبني ويعمل ويتعلم ويحلم ويحقق. أما إذا غاب الأمن، فإن كثيراً من الأشياء التي تبدو اليوم بديهية تصبح بعيدة وصعبة. ولهذا فإن من أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان أن يحمد الله على نعمة الوطن، وأن يشكر كل من يسهم في حفظ أمنه واستقراره، وأن يؤدي دوره في المجتمع بإخلاص ومسؤولية. إن الوطن الذي نعيش فيه اليوم بأمن وطمأنينة ليس مجرد مكان نمر به في رحلة الحياة، بل هو ذاكرة وهوية وبيت ومستقبل، وهو الأرض التي تحتضن أحلام أبنائنا، والسماء التي نرفع تحتها رؤوسنا مطمئنين. ومن حق هذا الوطن علينا أن نعرف قيمة نعمة الاستقرار، وأن نحافظ عليها، وأن نربي أبناءنا على حب وطنهم وخدمته، وأن نكون جزءاً من مسيرة بنائه. وفي كل صباح جديد، حين نرى أبواب المنازل تُفتح، والطلاب يتوجهون إلى مدارسهم، والموظفين إلى أعمالهم، والأسواق تستقبل الناس، والطرق تعج بالحركة، والأسر تجتمع في بيوتها، علينا أن نتذكر أن هذه الحياة الهادئة ليست أمراً بسيطاً، وإنما نعمة عظيمة تستحق الحمد. فكم من إنسان يتمنى اليوم شيئاً نراه نحن عادياً، وكم من أسرة تبحث عن لحظة أمان نعيشها نحن كل يوم. لذلك فلنحمد الله على وطن آمن، وعلى أسرة مجتمعة، وعلى بيت نعود إليه، وعلى طريق نسلكه مطمئنين، وعلى مستقبل نستطيع أن نخطط له. وليكن شكرنا لهذه النعم بالقول والعمل، بالمحافظة على الأمن، واحترام النظام، وخدمة المجتمع، والإخلاص في العمل، وتربية أبنائنا على المسؤولية والانتماء. وسيبقى الوطن، بعد الأسرة، أعظم مظلة تجمعنا، وأغلى أرض تحتضن خطواتنا وذكرياتنا وأحلامنا؛ ومن عرف قيمة الوطن عرف قيمة الأمن، ومن عرف قيمة الأمن عرف قيمة كل نعمة يعيشها، ومن شكر النعمة حفظها الله عليه. حفظ الله وطننا، وأدام عليه أمنه واستقراره وعزته، وحفظ قيادته وشعبه، وأدام على هذه البلاد نعمة الطمأنينة والوحدة والاستقرار، وجعل حاضرها أمناً، ومستقبلها ازدهاراً، وأبناءها دائماً أوفياء لأرضهم ووطنهم، مدركين أن أعظم ما يمكن أن يملكه الإنسان بعد الإيمان بالله هو أن يعيش آمناً في وطنه، مطمئناً على أهله، قادراً على صناعة مستقبله، وأن يرفع رأسه بفخر ويقول: هنا وطني، وهنا أمنه، وهنا بيتي، وهنا أرض أحبها وأعتز بها.







