دكتور حسن الأمير
ثمة خيط خفي واهن في رقته لكنه أمتن من حبال الأرض كافة يمتد بين قلبين ليصنع جغرافية خاصة لا تعترف بالخرائط ولا بحدود المساحة…….
هذه الجغرافية السرية تحكمها معادلة وجودية بالغة الفتنة تتلخص في حقيقة قدسية الهوى “مسافات الحب إن قصرت عناق وإن طالت اشتياق”…………
إنها ليست مجرد عبارة شعورية نابضة بل هي فلسفة كاملة تحكم فيزياء المشاعر وتحولات الروح في تقلبها بين الحضور والغياب……..
لو تأملنا اللفظ في شطره الأول لوجدنا أن المسافة حين تضيق وتتلاشى حتى تكاد تصبح صفراً
لا تنتج مجرد التقاء بل تتحول فوراً إلى عناق……..
والعناق في جوهره اللغوي والوجودي ليس مجرد ضم للأجساد بل هو محاولة شديدة العذوبة لإلغاء الفراغ بين كينونتين…….
إنه اللحظة التي يتوقف فيها الزمن عن الجريان وتكف فيها اللغة عن الحاجة إلى الحروف في العناق عودة الحب إلى وطنه الأول وتلتحم الشظايا التي بعثرتها الأيام………..
ويقصر المدى حتى يذوب الفارق بين الأنا والآخر فيصبح الشهيق واحداً ويغدو النبض رجع صدى لنبض مقابل…….
إن قصر المسافة هنا هو انتصار للشهود وتجسيد للوصول الذي يروي ظمأ السنين حيث تتحدث الأرواح بلغة الصمت البليغ…….
لكن المعجزة الحقيقية للحب لا تتجلى في القرب وحده بل تبسط سلطانها الباذخ حين تتسع الهوة وتطول المسافات لتتحول المساحة الممتدة من الفراغ إلى اشتياق…………..
وهنا تكمن الفلسفة اللغوية العميقة فالطول في المسافة
لا يعني الجفاء أو النسيان بل هو
في مجاز الهوى وقود يتغذى عليه الوجد………….
الاشتياق ليس حالة سلبية من الحزن بل هو حركة روحية نشطة واحتدام داخلي يعيد صياغة المحبوب في غيابه ليصبح أكثر حضوراً من وجوده المادي…….
المسافة الطويلة تصبح امتحاناً للجوهر وتطهيراً للمشاعر من شوائب العادة والملل………..
في الغياب يتحول البعد إلى امتداد رأسي للداخل حيث يسافر المحب في ملكوت الذكرى ويصبح كل شبر من الأرض الفاصلة بينهما ساحة لانتظار مقدس……….
إن هذه الثنائية البديعة (العناق والاشتياق) تكشف عن طبيعة الحب بوصفه كائناً حياً يتنفس
من رئة المسافة…………
الحب لا يموت بالبعد كما
لا يختنق بالقرب بل يجد في كليهما صيغة للخلود………
إن قصرت المسافة كان العناق ملاذاً للطمأنينة والسكينة وإن طالت كان الاشتياق منارة ترشد الأرواح في ليل الاغتراب……….
وهنا جدلية الوصل والفصل حيث يكمل كل منهما الآخر فالعناق يداوي لوعة الاشتياق والاشتياق يمنح العناق قيمته الباذخة التي تجعل منه بعثاً جديداً للروح……
في نهاية المطاف ليست المسافة هي ما يحدد عمق الهوى بل مدى قدرة القلب على تحويل البعد إلى قداسة حب وجنون والقرب إلى إعجاز
#شعراءنا_العشاق
أهوى أحب أهيم أعشق أتعبُ
ومتيمٌ دنف هنالك يعتب
الشوق أتلفني يقول وغيره
يرجو الوصال وأحرفي تتعجب
ملّت من التكرار مذ عرف الهوى
وأخال ليلى العامرية تشجبُ
وكثيّرٌ يشكو فعز تكاثرت
وتزوجت ألفًا وهاهي تخطب
هذا عصي الدمع ذاك مولّهٌ
وهناك مَن دمع المحاجر يسكب
شعراءنا العشاق إن قريضنا
دنِفُ البحور فماؤه لا يشربُ
لو عاد قيسٌ للحياةِ سيغضَبُ
وإخالُ ليلى العامريّةِ تشْجُبُ
لبنى وليلى الأخيلية ماتتا
وكذا عفتْ سلمى كذلك زينبُ
وكثيّرٌ يشكو فعزُّ تكاثرت
وتزوجَتْ ألفًا..تعودُ وتُخطَبُ
شعراءنا العشاق إنّ قريضَنا
دنِفُ البحورِ وماؤهُ لا يُشْربُ
#دكتور_حسن_الأمير








