قصةٌ من القرآن الكريم، ورسالةٌ لكل من يحمل خبرًا إلى الناس.
مقال/ الإعلامي خضران الزهراني
تأمّلوا معي حكايةً عجيبة، بدأت بطائرٍ صغير، وانتهت بخبرٍ وصل إلى نبيٍّ من أنبياء الله، فكان درسًا خالدًا في التثبّت، ودقّة الملاحظة، ومسؤولية نقل الحقيقة.
إنها قصة الهدهد مع نبي الله سليمان عليه السلام، حين غاب الهدهد، ثم عاد يحمل خبرًا لم يكن خبرًا عابرًا، بل كشف عن أمةٍ تعبد الشمس من دون الله.
قال الله تعالى:
﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ \[النمل: 20-21\].
لم يكن سليمان عليه السلام يعلم سبب غياب الهدهد، ولذلك لم يحكم عليه قبل أن تتضح الحقيقة، بل أمهله ليأتي بحجةٍ واضحة
ثم جاء الهدهد يحمل الخبر، وقال:
﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ \[النمل: 22\].
يا لها من عبارة عظيمة!
«وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ».
لم يقل الهدهد: سمعتُ من أحدهم، أو تناقل الناس، أو يُقال ويقولون؛ بل قدّم خبرًا محددًا، ثم بيّن ما شاهده، ونقل تفاصيل ما وجده في مملكة سبأ، حيث وجد امرأةً تملكهم ولها عرش عظيم، ووجد قومها يسجدون للشمس من دون الله.
وهنا يقف الإعلامي أمام مشهدٍ يستحق التأمل: طائرٌ لا يملك صحيفةً ولا كاميرا ولا حسابًا على منصات التواصل، لكنه حمل خبرًا ذا شأن، وأدرك أهمية ما شاهده، وقدّمه بوضوح.
وهل نبالغ إن قلنا إن قصة الهدهد تقدم درسًا بليغًا لكل ناقل خبر في زماننا؟
لا نقول إن الهدهد هو أول ناقل خبر في تاريخ البشرية؛ فليس في النص القرآني ما يثبت ذلك. لكن قصته تقدم نموذجًا قرآنيًا خالدًا في نقل الخبر، ولفت الانتباه إلى أهمية المعلومة حين تكون ذات قيمة وأثر.
من الهدهد إلى بعض إعلاميي هذا الزمن!
تخيّلوا لو أن الهدهد كان يعيش بيننا اليوم!
هل كان سيعود إلى سليمان عليه السلام بخبرٍ موثّق، أم سينشر مقطعًا مجتزأً، ثم يترك الناس يتنازعون حوله؟ وهل كان سيقول: «جئتكم بنبأ يقين»، أم سيكتب: «مصادر تؤكد»، ثم يكتشف الجميع أن المصدر مجرد رسالة مجهولة في مجموعة واتساب؟!
مداعبةٌ إعلامية، لكن خلفها حقيقة موجعة؛ فبعض الناس ينقلون الأخبار بسرعة الضوء، بينما تتحرك عقولهم بسرعة السلحفاة!
خبرٌ بلا مصدر، وصورةٌ بلا سياق، واتهامٌ بلا دليل، ثم يُقال بكل ثقة: «أنا مجرد ناقل»!
وهنا نقول: يا عزيزي الناقل، إن كلمة «مجرد» لا تمحو أثر ما تنشره، ولا تجعل الشائعة حقيقة، ولا تعفيك من مسؤولية التحقق.
الدرس الأعمق في القصة
لم يكتفِ سليمان عليه السلام بسماع الخبر، بل قال:
﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ \[النمل: 27\].
وهنا تتجلى قاعدة عظيمة: سماع الخبر لا يعني التسليم بصحته، وبلاغة الناقل لا تغني عن التحقق، والثقة بالمصدر لا تعني إلغاء العقل.
فإذا كان نبي الله سليمان عليه السلام قد قال: «سننظر»، فكيف يستعجل بعضنا الحكم على الناس من منشورٍ واحد، أو تسجيلٍ مبتور، أو روايةٍ سمعها من طرفٍ واحد؟!
إن الإعلامي المهني لا يكتفي بأن يسأل: ماذا حدث؟ بل يسأل أيضًا: من أين جاءت المعلومة؟ وهل ثبتت؟ وما سياقها؟ وهل نشرها يحقق مصلحةً عامة أم يسيء إلى الآخرين؟
الخاتمة: كن هدهدًا يحمل الحقيقة
في زمنٍ أصبح فيه كل هاتفٍ منصةً للنشر، وكل مستخدمٍ قادرًا على صناعة ضجة، نحن بحاجة إلى أخلاق الهدهد في نقل الخبر، وإلى حكمة سليمان في التحقق منه.
لا تكن أول من ينشر، بل كن ممن يتحققون. ولا تجعل سبقك الصحفي على حساب كرامة الناس، ولا تحوّل قلمك إلى سلاحٍ يجرح الأبرياء.
فالخبر أمانة، والتحقق شجاعة، والصدق هوية الإعلامي الذي يحترم قلمه وجمهوره.
ويا ناقل الأخبار، تذكّر: ليس المطلوب أن تصل إلى الناس قبل الجميع، بل أن تصل إليهم بالحقيقة دون أن تضلّلهم.
فالهدهد قال: «بنبإ يقين»، فماذا نقول نحن عندما نسأل عن أخبارنا يومًا أمام الله؟
الإعلامي/ خضران الزهراني عاشق القلم 🖊








