دكتور_حسن_الأمير
في زمن مضى كان المنبر حكرًا على من أفنى عمره بين دفتي كتاب ونحت فكرة في صوامع البحث فكانت الكلمة تخرج مسبوكة بماء الذهب لا تنطق إلا عن وعي ولا تصدر إلا عن حكمة……
أما اليوم فما عليك إلا أن تفتح نافذة زجاجية صغيرة في هاتفك المحمول وتلتقط أنفاسك أمام عدسة صامتة لتسكب في وجه الوعي البشري حكماً معلبة ونظريات مشوهة صنعت على عجل لتناسب مقاس “التريند” السريع…
لقد بلينا في هذا العصر بنبتة طفت على سطح واقعنا الافتراضي ألا وهم “فلاسفة المنصات”
جيش من مقتنصي الشاشات يتحدثون في كل شيء ويفتون في أي شيء…….
في الصباح هم خبراء في علم النفس التحليلي وفي المساء فلاسفة وجوديون يفككون عقد الحياة وبين هذا وذاك مرشدون روحيون يبيعون الوهم لمن ضاقت به سبل الواقع…….
تجدهم يقتبسون جملاً مبتورة لنيتشه أو سارتر أو ابن رشد ويسقطونها في سياقات لخدمة مصالح شخصية أو لزيادة عدد الإعجابات وكثرة المتابعين
والسؤال الحارق الذي يتردد في صدر كل غيور على الثقافة إلى متى هذا الهراء؟
إن خطورة هؤلاء الأدعياء تكمن في أنهم يخلقون جيلاً يظن أنه يعلم وهو لا يعلم جيل يكتفي “باللايك” كشهادة تزكية ولم يقف الحد عند تسطيح المعرفة فحسب بل تعداه إلى اختلاق المناكفات وافتعال المعارك الوهمية حيث غدا التراشق بالألفاظ وصناعة الخلافات المصطنعة مع الآخرين وسيلة لتصدر القوائم وجذب الانتباه
إنها تجارة بائسة بوعي الجماهير تحول الفضاء الرقمي من ساحة حوار إلى حلبة صراع يغذيها الجهل والفضول……
ورغم هذا الطوفان من العبث
لا يمكننا أن ننكر أن هذه المنصات ليست شراً مطلقاً بل هي في أصلها أدوات لصناعة الجمال والابداع ونشر الثقافة والأزمة الحقيقية ليست في التقنية بل في يد من يمسك بها فكم نحن بحاجة اليوم إلى توظيف هذه المنصات كوسائل لغايات محمودة ونبيلة!
إن هذا الفضاء الرقمي الشاسع يمكن أن يكون جسراً عظيماً لتبسيط العلوم الحقيقية ونشر الفضيلة وإحياء الآداب الرفيعة وتقديم المعرفة الرصينة بأسلوب جاذب يحترم عقل المتلقي دون الابتذال في مناكفات عقيمة…….
إن مواجهة هذا العبث تبدأ من وعي الفرد بإنزال هؤلاء الفلاسفة المزيفين من علياء منابرهم الوهمية عبر حظر غثائهم وفي المقابل دعم أصحاب الفكر الرصين الذين يتخذون من هذه الوسائل الرقمية منبراً للبناء لا للهدم وللتنوير لا للتدليس…….
كفانا هراءً وكفانا مناكفات تصنعها الشهرة الزائفة ولنجعل من هذه النوافذ الرقمية منارات تُضيء العقول لا سراديب تُظلم فيها الأفكار!






