~ بريق الوهم في زمن الاستهلاك ~

 

د/عبدالرحمن محمد حكمي 

في زمنٍ تكسّرت فيه المعايير الحقيقية وتراخت فيه أواصر الثقافة والفِكر، *أصبحت الشهرة أشبه بزهرة اصطناعية تتلألأ من بعيد، لكن بلا عطر ولا حياة.*
صار *المشاهير،* في كثير من الأحيان، كدمى خشبية تحركها الخيوط الخفية للترند والضجة، يقتاتون على فتات الانتباه ويبيعون الوهم لمن يبحث عن نجاةٍ من رتابة يومه.

*لم يعد التميز يتطلب موهبة حقيقية أو فكرة ناضجة؛ بل تكفي رقصة طائشة أو جملة مثيرة للجدل ليصبح الفرد نجماً تتهافت عليه الإعلانات والفرص.*
هكذا تتحول الشهرة إلى بضاعة تُعرض في سوق مفتوح، حيث الجمهور، المخدوع ببريق الكاميرات، يتهافت دون أن يسأل عن الجوهر أو القيمة.

أصبح بعض المشاهير كالأيقونات الباهتة، يجوبون منصات التواصل بأصوات مرتفعة وكلمات خاوية، يقدمون محتوى سريع الزوال، كفقاعات تتلاشى في الهواء. يجمعون المال كما تجمع الرياح أوراق الشجر في فصل الخريف، دون أن يتركوا أثرًا في الوعي أو إضافة في المعنى.

*لكن لماذا ينجح هؤلاء رغم افتقارهم لأي عمق؟* لأن الشهرة في عصر السرعة لا تحتاج إلى غوص في بحر المعرفة، بل إلى سطحٍ لامع يخطف الأبصار للحظات. يتعطش البعض للترفيه السريع، يركضون خلف الضحكة العابرة، *غير مبالين بالعقول التي تسقط في دوامة التفاهة.*

لكن الأدهى من ذلك أن هذه الظاهرة لا تقتصر على التسلية؛ *بل تحمل في طياتها تأثيرًا سلبيًا على وعي المجتمعات. يُقدَّم المحتوى الفارغ كوجبة سريعة للإلهاء، مما يُضعف القدرة على التمييز بين الفكرة الجادة والثرثرة الباهتة.*

ورغم كل هذا البريق الزائف، لا تزال جذور الوعي موجودة. *يحتاج المجتمع إلى يقظة فكرية، تحارب الاستهلاك الفكري بنفس الشغف الذي يُتابع به “الترند”. علينا أن ندرك أن الأضواء التي تسطع بلا معنى تترك في النهاية ظلامًا فكريًا كثيفًا.*

في مواجهة هذا المد الجارف، يحتاج المرء إلى فطنة تجعله يميز بين الجوهرة والحصى، بين من يضيف إلى الوعي ومن يستهلكه. فليس كل ما يلمع ذهبًا، وليس كل مشهور نجمًا حقيقيًا.
*يبقى التحدي في أن ننفض الغبار عن العقول ونبحث عن النور في عمق الفكر لا في وهج الشاشات.*

_____________

صدى نيوز اس 4

Related Posts

من خلف شاشات الهواتف.. حين نكون مفاتيح للشر ومغاليق للخير

✍️محمد فريح الحارثي لواء متقاعد من خلال تصفح بعض منصات وسائل التواصل تستوقفني بعض المحادثات النصية المكتوبة او التي تاتي في قالب صورة في محادثات المجموعات وعلى الحالات الشخصية. ومنها عبارة كُتبت بخط منمق تقول: “لا تعطي أحداً فوق قدره، فالمجاملة جعلت البعض يظنون أنهم شيء وهم لا شيء”. وتعجبت أكثر عندما شاهدت بعض الإعجابات التي نالتها هذه الكلمات. للوهلة الأولى، قد يظن المرء أنها نصيحة…

هل قرّبتنا وسائل التواصل الاجتماعي أم جعلتنا أكثر وحدة؟

  بقلم أ. غميص الظهيري حين اختصرت التقنية المسافات.. وبقيت المسافة بين القلوب في زمنٍ مضى، كانت المسافات تُقاس بالطرق، وكانت الزيارة تحتاج إلى موعد، والاطمئنان على الغائب يحتاج إلى مكالمة طويلة أو رسالة تحملها الأيام حتى تصل. كان الإنسان يعرف أخبار أهله وأصدقائه من خلال اللقاء، ويقرأ مشاعرهم من أصواتهم وملامح وجوههم. ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعي، فتغيّر كل شيء. أصبح البعيد قريبًا، والغائب حاضرًا،…

لقد فاتك ذلك

مخاض الدمعة وميلاد الحرف

مخاض الدمعة وميلاد الحرف

أمسية «ثقافة الحوار وتقبّل الاختلاف»

أمسية «ثقافة الحوار وتقبّل الاختلاف»

أمرٌ سامٍ بتعيين أعضاء مجلس منطقة الباحة

أمرٌ سامٍ بتعيين أعضاء مجلس منطقة الباحة

تكريم رموز التضحية في اليوم الوطني للجيش الوطني الشعبي

تكريم رموز التضحية في اليوم الوطني للجيش الوطني الشعبي

من خلف شاشات الهواتف.. حين نكون مفاتيح للشر ومغاليق للخير

من خلف شاشات الهواتف.. حين نكون مفاتيح للشر ومغاليق للخير

“بيئة رابغ في زيارة لموسم حراج التمور بمركز حجر “

“بيئة رابغ في زيارة لموسم حراج التمور بمركز حجر “

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode