في اليوم العالمي للترجمة

بين ضفتين من الكلام، أحتفي اليوم لا بمهنةٍ فحسب، بل بعلاقةٍ حميمة نسجتها مع اللغات؛ علاقةٌ تجعل الترجمة عندي متعة العبور بين ضفتين، وطريقًا إلى أن أكون أقرب إلى نفسي، وأكثر اتساعًا بالعالم.
أحب اللغة الهولندية، تلك التي أتكلمها بطلاقة وأقرأ بها الشعر كما لو كنت أصغي إلى موسيقى غير مرئية، نافذة على ضوءٍ جديد. وفي المقابل، أجد في الإنجليزية أبوابًا أخرى للفكر، وأسفارًا جديدة للكتابة.
وليس الأمر مقتصرًا على اللغات الكبرى وحدها؛ فالتجربة تمتد أيضًا إلى الترجمة بين اللغات المحلية، تلك التي تحمل أصوات الناس وذاكرتهم وحكاياتهم. هنا تصبح الترجمة فعل صونٍ للروح الجماعية، وحفظٍ لذاكرة لا تُرى إلا بالكلمات، ووصالًا بين جذورٍ بعيدة تتلاقى على أرض واحدة.
ومن خلال عملي، تتاح لي قصص وتجارب تنفتح على عوالم لم أكن لأبلغها لولا الترجمة. أكتشف أنني لا أعيش تلك الحكايات، بل أعبر مع أصحابها جسورًا غير مرئية نحو حياتهم، وأتعلّم أن كل لغة تحمل سرًّا، وكل حكاية تُوسّع إنسانيتي، في سدّ فجوات التواصل بين الشعوب الناطقة بلغات مختلفة.
لم تكن الترجمة يوما مجرد نقل كلمات، بل هي طقس تأمّل، ورحلة داخل النصوص، واكتشاف لطبقات الجمال الخفيّة في اللغة. تمنحك حوارًا سرّيًا مع الكاتب، ومع النص، ومع ذاتك أيضًا. تغيّر موقع الكلمة، فتجد أن المعنى انفتح على أفق آخر. تبحث عن التعبير الأدق، فإذا بك تكتشف نفسك في مرآة جديدة.
الترجمة بالنسبة لي فعلُ حبّ: حبّ للغات، للشعر، وللإنسانية التي تسكن وراء الكلمات؛ احتفاءٌ خفيّ بجمالها.
وفي هذا اليوم، أراها جسرًا من نور، تمتدّ خشبته من قلبي إلى العالم؛ جسرٌ أعبره وحدي، لكن على صفحاته تمشي معي آلاف الأرواح، في لغاتٍ تتصافح، ومعانٍ تتعانق، وأحلامٍ تبحث عن وطنٍ جديد في سرّ الكلمات ووصالها.
أكتوبر 2025

صدى نيوز إس 2

Related Posts

الابتعاد آخر فضائل الحكمة

  كتب حمد دقدقي ليست كل الطرق التي نفترق عندها مفروشةً بالكراهية، ولا كل الأبواب التي نغلقها تُوصَد بالغضب. ثمة أبواب يغلقها الوعي حين يستيقظ متأخرًا، بعدما يكتشف القلب أن بعض الرفقة لم تكن إلا ظلالًا عابرة، وأن بعض القرب كان ازدحامًا حول الروح لا سكنًا فيها. فالإنسان، كلما تقدم به العمر، لم يعد يقيس ثراء حياته بعدد الوجوه التي يعرفها، بل بعدد الأرواح التي تمنحه…

الأشرعة التي لا تهزمها الرياح

  كتب حمد دقدقي ليست الحياة امتحانًا في صفاء الريح، بل في مهارة الإبحار. فمنذ أن عرف الإنسان البحر، أدرك أن الأمواج لا تستأذن، وأن الرياح لا تقرأ خرائط الرغبات، وأن الأفق لا يمنح أسراره لمن يقف على الشاطئ مكتوف الأمنيات. لذلك لم يكن السؤال يومًا: إلى أين تهب الريح؟ بل: كيف نمضي إليها دون أن نفقد بوصلتنا؟ يقال إن المتشائم يشكو من اتجاه الريح، والمتفائل…

لقد فاتك ذلك

إطلاق أغنية «علّموني كيف أسلى حب جدة» بتعاون سعودي أردني

إطلاق أغنية «علّموني كيف أسلى حب جدة» بتعاون سعودي أردني

سلطان المسعري يحصد الماجستير التنفيذي في الإدارة العامة من جامعة الملك سعود

سلطان المسعري يحصد الماجستير التنفيذي في الإدارة العامة من جامعة الملك سعود

مصر وزير الرياضة يوجّه بفتح تحقيق عاجل وفوري في شكوي لاعب كرة القدم المستبعد بسبب اسمه

مصر وزير الرياضة يوجّه بفتح تحقيق عاجل وفوري في شكوي لاعب كرة القدم المستبعد بسبب اسمه

وجهة مسار تستضيف جمعية الأطفال ذوي الإعاقة في تجربة تفاعلية مُسْتوحاةٍ من المائدة النبوية

وجهة مسار تستضيف جمعية الأطفال ذوي الإعاقة في تجربة تفاعلية مُسْتوحاةٍ من المائدة النبوية

تكليف المهندس عبدالعزيز الحارثي مساعدًا لمدير عام تعليم الطائف

تكليف المهندس عبدالعزيز الحارثي مساعدًا لمدير عام تعليم الطائف

صحيفة صدى نيوز اس تُثمّن توثيق الشراكة الإعلامية مع نادي ملتقى المبدعين الثقافي عبر منصة هاوي

صحيفة صدى نيوز اس تُثمّن توثيق الشراكة الإعلامية مع نادي ملتقى المبدعين الثقافي عبر منصة هاوي

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode