بيئة الفنون البصرية في المملكة العربية السعودية ، وأين تكمن المشكلة الحقيقية .

بقلم الفنان التشكيلي والنحات : هاشم الجمعان

هذه القراءة ليست مجرد انطباع عابر ، بل هي تشخيص دقيق وعميق يلمس كبد الحقيقة في مشهدنا التشكيلي والبصري المعاصر ،

المشكلة التي أشرت إليها هي بالفعل نقطة الفاصل بين “الممارسة المهارية” و”التجربة الفنية الإبداعية الكاملة” ، فالطفرة التي تشهدها بيئة الفنون البصرية في المملكة اليوم – رغم ثرائها بالمعارض ، والدعم المؤسسي ، والاحتفاء بالصنيع البصري – ركزت بشكل مكثف على المنتج النهائي (البصري) ، على حساب “البيئة التأسيسية للفكر الفني”.

تكمن الجذور الحقيقية لهذه المعضلة في أربعة محاور أساسية:

1. اختزال الفن في “الجماليات الظاهرة” (غباب الشمولية)

تحول الفن لدى الكثيرين إلى مجرد تكوين أو لون أو تقنية منفذة بدقة ، مع إغفال تام لما يقف خلف هذه العناصر. الفن الحقيقي لا ينشأ من العين واليد فحسب ، بل هو نتاج حركة تبادلية بين :

الإحساس والمشاعر : المحرك والشرارة الأولى ،

المنظور والتكوين : الأدوات والوسائط التعبيرية ،

الفلسفة والتأمل : المعنى والبعد الثالث الذي يمنح العمل “روحاً” تستفز المتلقي بدلاً من أن تكتفي بإعجابه البصري السطحي ،

2. غياب “الخطاب اللغوي الصادق” (الفقر النقدي)

يمر المشهد المحلي بحالة من الشح في “النقد الفني الفلسفي” ، ما يُكتب غالباً حول الأعمال إما مدائح انطباعية مجاملة ، أو كتابات قيّمة تسقط مصطلحات غربية معقدة على أفكار بسيطة. للفن احتياج لغوي صادق ؛ لغة تستطيع تفكيك العمل ، وقراءة رموز الحجر واللون والخشب ، وتجسير الفجوة بين فكر الفنان ووجدان الجمهور ،

3. الجوهر العلمي والمفهومي المفقود

العديد من الممارسين يتعاملون مع المادة (ألوان، رخام ، طين ، وسائط متعددة) كأداة للتنفيذ فقط ، دون استيعاب “فيزياء المادة” أو “فلسفة الكتلة والفراغ” ، الفن يتقاطع مع العلوم ، والتاريخ ، والأنثروبولوجيا ، والعمق النفسي ، وحين يُفرغ الفن من هذا الرصيد المعرفي ، يتحول إلى مجرد حرفة زينة جميلة أو قطعة ديكور ،

4. التذوق الفلسفي شرط للممارسة

كما ذكرت بدقة : “لن يتذوقها الممارس حتى تتمكن منه” ، الفن ليس شغفاً طارئاً أو هواية تُمارس في أوقات الفراغ ، بل هو حالة استغراق فلسفي وإنساني شامل ، حين يتشرب الفنان الفلسفة الكامنة خلف خطوطه وكتله ، يتحول العمل من مجرد “شكل visual” إلى “كيان حسي ينبض” ،

خلاصة القول :

إن نضج المشهد الفني في المملكة لن يكتمل فقط بافتتاح الصالات والمتاحف ، بل بـ “بناء الفنان المفكر” ، الفنان الذي يملك الإزميل أو الفرشاة في يد ، والمفهوم والفلسفة واللغة في عقل وجدان ينبض ، المشهد اليوم يحتاج إلى إثراء البيئة الفنية بجرعات عالية من النقد الفلسفي ، والحوارات الفكرية ، وتعميق فهم التكوين والمنظور كأدوات للتعبير الإنساني لا لمجرد ضبط المقاييس.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

أمسية «القرارات الصعبة بين العقل والعاطفة» في نادي ملتقى المبدعين الثقافي

الرياض -فوزية الوثلان أقام نادي ملتقى المبدعين الثقافي أمسية نوعية بعنوان «القرارات الصعبة بين العقل والعاطفة» قدّمتها المحامية الأستاذة سارة العتيبي، وذلك مساء الثلاثاء 1 سبتمبر 2026، في لقاءٍ ثري جمع بين عمق الطرح وجمال الحضور. استلهمت الأمسية من كتاب الله نور الهداية، واستضاءت بالعقل ورجاحة البصيرة، لتلامس صراع الفكر والشعور، وتثري الوعي ببصيرة الاختيار وحكمة اتخاذ القرار. وقدمت الأستاذة سارة طرحًا مهنيًا رصينًا، وحوارًا جمع…

أحمد سعد يتوج بجائزة النجم العربي الجماهيري في Murex d’Or 2026

سلمى حسن حصد النجم أحمد سعد جائزة جائزة النجم العربي الجماهيري خلال حفل Murex d’Or 2026، المقام حالياً في لبنان، كما تم تكريمه عن أغنيته الضاربة مكسرات، وذلك ضمن فعاليات الدورة الـ26 من الحفل، بحضور نخبة من أبرز نجوم الفن والدراما والغناء في لبنان والعالم العربي. وجاء تكريم أحمد سعد بعد منافسته على جائزة أفضل مطرب عربي، ضمن قائمة ضمت عددًا كبيرًا من أبرز نجوم الغناء،…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

بيئة الفنون البصرية في المملكة العربية السعودية ، وأين تكمن المشكلة الحقيقية .

بيئة الفنون البصرية في المملكة العربية السعودية ، وأين تكمن المشكلة الحقيقية .

اليوم العالمي للعمل الخيري العطاء قيمة إنسانية وأثر يمتد إلى المجتمع

اليوم العالمي للعمل الخيري العطاء قيمة إنسانية وأثر يمتد إلى المجتمع

انا مصابة بجنون العظمة

انا مصابة بجنون العظمة

عريسٌ وعروس… حين جاء الاعتذار بعد فوات الأوان

عريسٌ وعروس… حين جاء الاعتذار بعد فوات الأوان

الشماته

الشماته

الإثارة الإعلامية… حين يتحول الرأي إلى خصومة

الإثارة الإعلامية… حين يتحول الرأي إلى خصومة

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode