بين الحقيقة و التضليل… صراع المصطلحات في زمن الإعلام

بقلم : كمال فليج _ الجزائر

لم تعد الحروب في عصرنا الحديث تقتصر على السلاح والعتاد والجبهات العسكرية، بل أصبحت تمتد إلى فضاءات أخرى لا تقل خطورة وتأثيراً، وفي مقدمتها فضاء اللغة والمصطلحات. فالكلمة اليوم قد تكون أداة توجيه للرأي العام، ووسيلة لتشكيل الوعي، بل وقد تتحول إلى سلاح ناعم يُستخدم لتبرير السياسات أو تشويه الحقائق. ومن هنا برز ما يمكن تسميته بـ “حرب المصطلحات”، حيث يجري تكييف الكلمات والمعاني وفقاً لما يخدم المصالح والغايات.

في هذه الحرب غير المعلنة، لا تكون المعركة حول الوقائع بقدر ما تكون حول تسمية هذه الوقائع. فالفعل الواحد قد يُقدَّم للرأي العام بمصطلحات مختلفة تبعاً للجهة التي ترويه. ما يُسمّى عند طرف “مقاومة” قد يوصف عند طرف آخر بـ”الإرهاب”، وما يُقدَّم على أنه “تدخل إنساني” قد يراه آخرون “عدواناً”. وهكذا تتحول المصطلحات إلى أطر ذهنية توجه فهم الناس للأحداث وتحدد موقفهم منها.

لقد أدركت القوى السياسية والإعلامية منذ زمن بعيد أن التحكم في المصطلح هو تحكم في المعنى. فحين يتم اختيار كلمة بعناية، فإنها لا تنقل المعلومة فحسب، بل تحمل معها شحنة دلالية ونفسية تؤثر في المتلقي. لذلك نلاحظ كيف تُستبدل بعض المفاهيم بأخرى أكثر قبولاً أو أقل صداماً، مثل استخدام عبارة “الأضرار الجانبية” بدلاً من “قتل المدنيين”، أو “إعادة الانتشار” بدلاً من “الانسحاب”.

وسائل الإعلام بدورها أصبحت إحدى أهم ساحات هذه الحرب. فهي التي تكرر المصطلحات وتعيد إنتاجها حتى تتحول إلى مفاهيم راسخة في الوعي العام. ومع التوسع الهائل لوسائل التواصل الاجتماعي، أصبح انتشار المصطلح أسرع وأكثر تأثيراً، حيث تنتقل الكلمات من خبر إلى تحليل، ومن منشور إلى تعليق، حتى تصبح جزءاً من الخطاب اليومي.

غير أن خطورة حرب المصطلحات تكمن في أنها قد تزيّف الوعي دون أن يشعر الناس بذلك. فعندما يتعود المتلقي على سماع مصطلح معين، يبدأ في تبني الرؤية التي يحملها هذا المصطلح دون أن ينتبه إلى الخلفية السياسية أو الأيديولوجية الكامنة وراءه.

ومن هنا تبرز أهمية الوعي اللغوي والنقدي لدى القارئ والمتلقي، حتى يتمكن من التمييز بين الحقيقة والتأطير اللغوي لها. فليس كل مصطلح بريئاً، وليس كل تسمية محايدة، بل قد تكون جزءاً من معركة خفية تدور حول العقول قبل أن تدور على الأرض.

إن حرب المصطلحات تذكّرنا بأن اللغة ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل هي أيضاً أداة للنفوذ والتأثير. ومن يمتلك القدرة على صياغة المصطلح وفرضه في التداول، يمتلك إلى حد كبير القدرة على توجيه السردية وصناعة الرأي العام. لذلك فإن الدفاع عن الحقيقة يبدأ أحياناً من الدفاع عن دقة الكلمة ومعناها، لأن المعركة على الوعي تبدأ غالباً من المعنى قبل الحدث.

صدى نيوز إس 2

Related Posts

وطني يفوقُ قصيدتي

  بقلم: أحمد علي بكري يا موطني، يا موطنَ العزِّ الذي فيه المكارمُ أشرقتْ ببلادي في يومِ عيدِك أستعيدُ مشاعري وأصوغُ من نبضي عظيمَ ودادي وأحاولُ أن أجودَ بما طرى من مهجةٍ، ومن الشعورِ الوقاد فإذا المداد أمامَ حبِّك عاجزٌ وإذا البيانُ يضيقُ عن مرادي ما الشعرُ إلا قبسةٌ من روعةٍ والحبُّ أوسعُ من جميعِ مدادي فيك التوحيدُ أساسُ مجدٍ راسخٍ وبهِ علتْ راياتُنا في كلِّ…

مذكرات رجل مشاغب

  الولد الشقي سابقًا الفصل الثاني السندريلا العراقية وعلي بعد تلك الحادثة، انتظرت أن يأتي اتصال من السندريلا العراقية، هكذا أسميتها في ذاكرتي، ولا تسألوني لماذا اخترت لها هذا الاسم؛ فالحكواتي أحيانًا يمنح أبطال حكاياته أسماء لا تخطر على بال أحد! انتظرت طويلًا، لكنني لم أجد لها أثرًا. ولم أكن أريد أن أبادر بالاتصال بها، فلدي قاعدة أساسية في تعاملي مع الناس، على اختلاف مستوياتهم ومواقعهم:…

لقد فاتك ذلك

انطلاق الدورة الثانية من مهرجان ظفار الدولي للمسرح بصلالة بمشاركة 15 عرضًا مسرحيًا.

انطلاق الدورة الثانية من مهرجان ظفار الدولي للمسرح بصلالة بمشاركة 15 عرضًا مسرحيًا.

وطني يفوقُ قصيدتي

وطني يفوقُ قصيدتي

مذكرات رجل مشاغب

مذكرات رجل مشاغب

ذكرى البيعة الثانية عشرة لخادم الحرمين الشريفين الملك/ سلمان بن عبدالعزيز آل سعود

ذكرى البيعة الثانية عشرة لخادم الحرمين الشريفين الملك/ سلمان بن عبدالعزيز آل سعود

في ذكرى البيعة الثانية عشرة.. عهدٌ يتجدد ووفاءٌ لا يتغير

في ذكرى البيعة الثانية عشرة.. عهدٌ يتجدد ووفاءٌ لا يتغير

حين تمسك مفتاحك بيدٍ مقيدة

حين تمسك مفتاحك بيدٍ مقيدة

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode