فزعة القبائل: إرث النخوة وميزان الوفاء

 

بقلم: أ. غميص الظهيري

تُعدّ الوقفات والفزعات العامة، وما يُعرف بـ”المعاريف” بين القبائل، من الصفات الأصيلة المتجذّرة منذ زمنٍ بعيد. فقد جرت العادة أن تستعين القبائل ببعضها في الشدائد، لا سيما في تحمّل الديات، وخصوصًا في حوادث السيارات. وهي في حقيقتها أشبه بدَينٍ معنويٍّ وأخلاقي؛ ما تُقدّمه اليوم، ستجده غدًا عند الحاجة، فالجميل لا يضيع بين أهله.

ولكن، ومع الأسف، ظهرت في الآونة الأخيرة بعض الأصوات التي تُضعف هذا المبدأ، فتسمع من يقول: “فلان لا نعرفه، ولم يقف معنا من قبل!” وهذا قولٌ يحتاج إلى مراجعة؛ فالفزعة لا تكون للشخص بعينه، بل للقبيلة التي ينتمي إليها، وهي قيمة جماعية قبل أن تكون موقفًا فرديًا.

إن هذه الوقفات المشرّفة تُخفّف العبء عن القبيلة المصابة، وتُجسّد معنى التكافل الحقيقي، فالقبائل لا غنى لها عن بعضها، ومن يزرع المعروف اليوم، يحصد ثماره غدًا. فليكن العطاء بطيب نفس، بعيدًا عن الحسابات الضيقة أو التأويلات التي تُفسد النية.

وحبّذا لو أن من يُعطي، يُعطي بسخاء؛ فأنت لا تتعامل مع فردٍ واحد، بل مع كيانٍ كامل، وتُسهم في حفظ تماسك المجتمع وترابطه. فالكرم يرفع صاحبه، ولا يورثه ندامة، بينما البخل يترك أثرًا لا يُنسى.

إن الناس تحفظ المعروف، وتُدوّنه في سجلات القلوب قبل الدفاتر، وتبقى المواقف النبيلة شاهدًا على أصحابها وقت الحاجة. فالوفاء مع الآخرين عربون محبة، وجسر تواصل لا ينقطع.

إياك أن تقول: “أنا مستغنٍ عن الناس”، فالدنيا دوّارة، ولا يدوم فيها حال. والقبائل لبعضها دروعٌ وحصون، وفزعات الكرام تفرّج الكرب، وتقضي الدين، وتُحيي معاني النخوة والمروءة.

لا تقل: “فلان لا يستحق”، فأنت حين تُقدّم المعروف، إنما تُقدّمه لقبيلةٍ كاملة، لا لفردٍ بعينه. أعطِ مما تجود به نفسك، واحتسب الأجر عند الله، فلعلّها تكون صدقةً عنك وعن أبنائك، يدفع الله بها عنكم شرًّا، ويكتب لكم بها خيرًا في الدنيا والآخرة.

سلمي

Related Posts

لينفق ذو سعة من سعته

  كم هي ‏جميلة معاني هذه الآية لم يقل لينفق ذو مال من ماله! فإن كانت سعتك في الكلمة الطيبة فأنفق منها ولا تبخل بها ، وإن كانت سعتك في البسمة الصافية فأنفق منها وادخل الفرحه والبهجة علي غيرك ،، وإن كانت سعتك في معاونة الآخرين فأنفق منها واسعي في قضاء حوائج الناس ، وإن كانت سعتك في جبر الخواطر فانفق منها ولا تتردد فهي قد…

ضحية تعشق من يؤذيها

  الكاتبة /وجنات صالح ولي. بعض الأشخاص لا يبحثون عن الحب والأستقرار والأمان الكلّي، بل عن شخص يعتادون عليه، حتى لو آذاهم. ليس كل من يتألم يبتعد، فهناك من يعرف أنه يُؤذى ويرى ذلك بوضوح، ومع ذلك يبقى دون أن يفكر في الرحيل والبقاء بكامل وعيه لذلك ، ليس لأنه لا يستطيع أن يتركه ، بل لأنه تعلّق. تعلّق ببداية كانت جميلة، أو بصورة قديمة يحاول…

لقد فاتك ذلك

في زيارة تاريخية : البابا ليون الرابع عشر.. أقف اليوم بالجزائر تكريما لنضالها وتاريخها

في زيارة تاريخية : البابا ليون الرابع عشر.. أقف اليوم بالجزائر تكريما لنضالها وتاريخها

لينفق ذو سعة من سعته

  • By
  • أبريل 13, 2026
  • 73 views
لينفق ذو سعة من سعته

اللغبي يرأس اجتماعاً تنموياً ويكرم الذروي في قوز الجعافرة

  • By
  • أبريل 13, 2026
  • 18 views
اللغبي يرأس اجتماعاً تنموياً ويكرم الذروي في قوز الجعافرة

سمو محافظ الأحساء يدشّن مركز مبيعات “وجهة الورود” ويطّلع على تجربة تسويق الوجهة

  • By
  • أبريل 13, 2026
  • 19 views
سمو محافظ الأحساء يدشّن مركز مبيعات “وجهة الورود” ويطّلع على تجربة تسويق الوجهة

الدكتور عادل الزهراني عضواً في المكتب التنفيذي للاتحاد الدولي للصحافة الرياضية

  • By
  • أبريل 13, 2026
  • 25 views
الدكتور عادل الزهراني عضواً في المكتب التنفيذي للاتحاد الدولي للصحافة الرياضية

فزعة القبائل: إرث النخوة وميزان الوفاء

  • By
  • أبريل 13, 2026
  • 162 views
فزعة القبائل: إرث النخوة وميزان الوفاء

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode