كسرة النفس على نقطة الألم

 

الإعلامي/ عادل بكري – جازان – صدى نيوز إس

هناك لحظة لا تُشبه ما قبلها ولا ما بعدها… لحظة لا تُسمع فيها الأصوات، ولا تُرى فيها الانهيارات، لكنها تحدث في الداخل كأن شيئًا عميقًا قد انطفأ بصمتٍ قاسٍ، كأن الروح أطفأت جزءًا منها دون أن تطلب الإذن، ودون أن تمنح صاحبها فرصة للفهم.

تحديد مكان الألم…

ليس في القلب وحده، ولا في العقل فقط، بل في تلك المساحة المعلّقة بينهما في (أعماق النفس) حيث تتكدّس التفاصيل التي لم تُقل، والمواقف التي مرّت كالسكاكين دون صوت، والكلمات التي وصلت متأخرة كمن يطرق بابًا بعد أن أُغلق إلى الأبد. هناك، في ذلك الفراغ الممتلئ، يتجمع كل ما لم يُفهم في حينه، حتى يتحول إلى ثِقلٍ داخلي يشبه الغرق البطيء… غرق لا ماء فيه، بل شعور خانق يتسرب إلى كل فكرة وكل نبضة صامتة.

الألم في هذه النقطة لا يأتي فجأة، بل يُصنع بصبرٍ مرهق، طبقة فوق طبقة، كجدار يُبنى من خيبات صغيرة لا تُرى لكنها تُحس. يبدأ من لحظة غير مكتملة، من نظرة لم تُفهم، من وعدٍ مرّ دون وفاء، ثم يكبر مع كل مرة تم فيها كتم الشعور، أو تبرير الانكسار، أو قمع الألم وكأنه شيء طبيعي يجب التعايش معه. حتى يصبح الداخل مزدحمًا بما يفوق قدرته على الاحتمال، كأن الروح تمشي وهي تحمل ما لا يُرى لكنه ينهكها في كل خطوة.

هو ألم لا يحتاج إلى حدث كبير كي يشتعل، لأن جذوره تكون قد امتدت عميقًا في الخفاء. يكفي موقف بسيط، كلمة عابرة قيلت بلا اكتراث، أو لحظة إدراك متأخرة تفتح أبوابًا كانت موصدة بالقوة… حتى تنكشف كل التراكمات دفعة واحدة، وكأن الداخل لم يعد قادرًا على التحمل، وكأن الصمت نفسه قرر أن ينهار.

كسرة النفس لا تُفضح بسهولة، فهي لا تترك أثرًا واضحًا على الملامح في البداية. من الخارج قد يبدو كل شيء متماسكًا، وربما هادئًا أكثر من اللازم، لكن في الداخل يكون التوازن قد انزلق بصمت، كزجاجٍ دقيق انكسر دون صوت. الأشياء نفسها ما زالت موجودة، لكن الإحساس بها تغيّر؛ كأن الإنسان يعيش داخل نفسه كغريب لا يعرف كيف يعود إليها.

في نقطة الألم، لا يعود السؤال عن شدته، بل عن عمقه الذي لا يُقاس. كيف يمكن لشيء غير مرئي أن يعيد تشكيل طريقة التنفس، وطريقة النظر، وطريقة الصمت؟ وكيف تتحول التفاصيل الصغيرة التي كانت تمر عادية إلى ثِقلٍ ساحق حين تتراكم دون رحمة، وكأن الحياة قررت أن تضع كل شيء في لحظة واحدة؟

والمؤلم أكثر… أن الانكسار لا يحدث دفعة واحدة كما يُظن، بل يتسلل ببطءٍ متقن، كأن الزمن نفسه يشارك في صناعته. حتى يصل إلى تلك اللحظة التي لا تحتاج فيها النفس إلى حدث جديد، بل إلى آخر ذرة فقط… فتفيض كل الأشياء دفعة واحدة، بلا ترتيب، بلا إنذار، وكأن الداخل كان ينتظر فقط أن يتوقف عن المقاومة.

عندها لا يبقى تفسير واضح، ولا لغة قادرة على شرح ما حدث، فقط إدراك صامت وثقيل بأن ما كان يُحتمل طويلًا قد وصل إلى حدّه الأخير، وأن ما كان يُخزَّن في الصمت قد خرج دفعة واحدة على هيئة شعور لا يمكن احتواؤه.

كسرة النفس ليست سقوطًا ظاهرًا، بل تحوّل داخلي لا يُرى… لكنها تُشعر بكل شيء. ليست نهاية، لكنها لحظة انكشاف قاسية لكل ما كان مختبئًا خلف الصبر، وكأن الإنسان يرى نفسه لأول مرة دون ستائر الاحتمال.

النهاية

وفي تلك النقطة، حيث يتحدد مكان الألم بكل دقته وعمقه، يبدأ نوع آخر من الفهم… فهم لا يمحو ما حدث، لكنه يغيّر الطريقة التي يُحمل بها داخل الروح، كأن الألم نفسه يصبح ذاكرة تُفهم بدل أن تكون جرحًا فقط.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

ما الذي يستحق أن نبنيه؟

  بقلم المستشار / مازن محمد آل ظافر قد يُفتتح مشروعٌ وسط الاحتفاء، وتُلتقط الصور، وتُرفع التقارير، ثم تمضي السنوات فلا يبقى من يوم الافتتاح شيء يُذكر. وفي مكانٍ آخر، لا كاميرا فيه ولا منصة، تُصنع الأشياء التي تبقى. أتذكر طالبًا ظل يخطئ في مسألة حسابية، حتى شرحها له معلمه بطريقة أخرى فانفتح أمامه ما استعصى عليه. المدرسة هي المدرسة، والمنهج هو المنهج، والمقاعد في أماكنها؛…

المملكة العربية السعودية.. وطنٌ راسخ، وقيادةٌ حكيمة، وشعبٌ متلاحم

  بقلم: الدكتور عثمان بن عبدالعزيز آل عثمان حين يواجه الوطن التحديات، تشرق معاني الوفاء والانتماء، وتتجلى قوة التلاحم الوثيق بين القيادة والشعب؛ فالمملكة العربية السعودية ليست مجرد أرضٍ نعيش عليها، بل هي وطنٌ يسكن القلوب، وراية عزٍّ نفخر بها، وكيانٌ شامخ يستمد قوته من الإيمان بالله تعالى، ووحدة أبنائه، وحكمة قيادته. لقد قامت المملكة على أسسٍ مكينة من التوحيد والوحدة والاستقرار، منذ أن وحّد الملك…

لقد فاتك ذلك

ممشى النسيم بمكة المكرمة يحتضن فعالية اليوم العالمي للمشي بمشاركة واسعة من الجهات الرياضية والتطوعية

ممشى النسيم بمكة المكرمة يحتضن فعالية اليوم العالمي للمشي بمشاركة واسعة من الجهات الرياضية والتطوعية

ما الذي يستحق أن نبنيه؟

ما الذي يستحق أن نبنيه؟

رسائل مؤثرة من تركى آل الشيخ تعليقًا على خطاب السيسي ” حبنا لكم ليس من فراغ” 

رسائل مؤثرة من تركى آل الشيخ تعليقًا على خطاب السيسي ” حبنا لكم ليس من فراغ” 

برعاية الأمير فيصل بن سلمان ..دارة الملك عبدالعزيز تدشّن برنامج “الأعمال الكاملة للمؤرخين الرواد بحضور صدى نيوز إس

برعاية الأمير فيصل بن سلمان ..دارة الملك عبدالعزيز تدشّن برنامج “الأعمال الكاملة للمؤرخين الرواد بحضور صدى نيوز إس

بيان رئيس الاجتماع الرابع والخمسين للجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية

بيان رئيس الاجتماع الرابع والخمسين للجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية

تكريم مدير التصوير سعيد شيمي لدوره في حرب أكتوبر فى البيت الروسي

تكريم مدير التصوير سعيد شيمي لدوره في حرب أكتوبر فى البيت الروسي

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode