صراع بين صمت الكرم الشامخ وضجيج البخل الملتوي

بقلم /محمد باجعفر

تجسد “الكرم” في صورة المترفع الذي لا يرى في العطاء مِنة، بينما صورت “البخل” طفيلياً لا يكتفي بحرمان نفسه، بل يقتات على فتات كرامة الآخرين.

​إليك محاكاة أدبية لهذا السجال بأسلوب يكمل ما بدأت:

​مناظرة بين الكرم والبخل

​ردّ الكرم بصوت هادئ ورزين:

​”يا هذا، أنت تكدس المال لتسد به ثقوب خوفك، وأنا أبذله لأبني به صروح المودة. أنت ترى الرصاصة في محزمك قوة لأنها لم تخرج، وأنا أرى القوة في اليد التي تمتد قبل أن تُطلب. أنا لا أنحني لالتقاط ما سقط مني، ليس كبراً، بل لأنني حين أعطي.. أنسى ما أعطيت.”

​فأجاب البخل وهو يشدُّ على جيبه:

​”بل هو السفه! تُطعم الجياع وتنسى غدك، أما أنا فأبني جداراً من ذهب يحميني من غدر الزمان. أراقبكم من بعيد، تزرعون وأحصد أنا في ظلالكم، فالعاقل من عاش بماله لا من عاش ماله به!”

​تبسم الكرم وقال خاتماً:

​”الفرق بيني وبينك، أنك تملك المال ولكنك عبده، وأنا أملك القليل ولكنني سيده. أنت تختبئ خلفي لتلتقط الفتات، لكنك لا تدرك أن الذي يسقط من يد الكريم لا يغني بخيلاً.. لأن البركة في النفس لا في المكدّس.”

استخدمنا لتعبير “المحزم مليان ما تخرج منه رصاصة” كان عبقرياً؛ لأنه نقل المفهوم من البخل المادي الصرف إلى بخل “المواقف” والشجاعة أيضاً، وهذا عمق في الطرح يحسب لك.

حكم القاضي بين كريم وبخيل

​دخل الخصمان مجلس القضاء، الكرم يمشي بخطى واثقة كأنه يحمل الشمس في كفه، والبخل يمشي منحنياً يلتفت يمنة ويسرة كأن الأرض تترصد جيبه.

​وقف القاضي، ونظر إليهما ثم قال:

​”أما أنت يا بخل، فقد ظننت أن القوة في ‘المحزم المليان’، وما علمت أن السلاح الذي لا يُشهر وقت الضيق هو مجرد ثقلٍ على صاحبه. لقد عشت غنياً في الأرقام، فقيراً في الأثر، وسترحل عن مالك وتتركه لمن لا يشكرك، ولن يبقى لك إلا وحشة ما كدّست.”

​ثم التفت إلى الكرم وقال:

​”وأنت يا كرم، لقد جعلت من بيتك ممرًا للخير، ومن قلبك ملاذاً للخائف. لم تلتفت لما سقط منك لأن عينك كانت دائماً على ما هو أبقى. إن الذي لا ينحني لالتقاط الفتات، هو الذي ترتفع له الهامات.”

​الحكم النهائي:

​البخل: يُحكم عليه بالسجن داخل قلبه الموصد، محروماً من لذة الثناء وطمأنينة الرضا.

​الكرم: يُحكم له بالبقاء في ذاكرة الناس، وتُكتب سيرته بماء الذهب في دواوين العرب.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

بين هَمٍّ عابر وألفِ نعمةٍ مقيمة

  عبدالله بنجابي: مكة المكرمة في زحمة الحياة وتوالي تحدياتها، يتسلل الإحباط أحياناً عبر ثقبٍ صغير ليغمر الروح بظلاله. موقفٌ محزن، أو خسارة عابرة، أو أملٌ تأخر تحقيقه، كفيلٌ بأن يضع أمام أعيننا غشاوة سوداء تحجب عنا رؤية الاتساع الممتد من حولنا. نركز أبصارنا على تلك النقطة المظلمة، وننسى أن الصفحة بأكملها ما زالت بيضاء ناصعة. إن الطبيعة البشرية تميل في كثير من الأحيان إلى تضخيم…

لغةُ الشكر.. كيف تفتحُ أبوابَ الزيادةِ بالامتنان؟ من سلسلة: حياتك السعيدة

بقلم الدكتور عثمان بن عبدالعزيز آل عثمان اقتباس المقال “ليس الغنيُّ من كثرتْ نِعَمُه، ولكن الغنيُّ من امتلأ قلبُه شكرًا لله تعالى، وعرف قيمةَ ما بين يديه.” الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، مُسبغِ النِّعَم، واسعِ الفضلِ والإحسان، والصلاةُ والسلامُ على سيدِنا محمدٍ ﷺ، خيرِ الشاكرين، وإمامِ الحامدين، وعلى آله وصحبِه أجمعين. إنَّ الشكرَ ليس كلمةً تُقال، ولا عادةً تُمارَس، بل هو منهجُ حياةٍ، ومفتاحُ البركةِ، وسرُّ دوامِ…

لقد فاتك ذلك

«البطل الواعي» يختتم رحلته بتكريم المشاركين وصناعة جيل أكثر وعياً

«البطل الواعي» يختتم رحلته بتكريم المشاركين وصناعة جيل أكثر وعياً

أفراح آل زمزمي وال فطاني

أفراح آل زمزمي وال فطاني

بين مرافئ الوجد وترانيم الحنين

بين مرافئ الوجد وترانيم الحنين

حمدة المهيري.. رحلة إبداعية تجمع بين الأدب والفن والإعلام

حمدة المهيري.. رحلة إبداعية تجمع بين الأدب والفن والإعلام

رحيل الأديب والمؤرخ محمد صالح البليهشي عن عمر ناهز 83 عاماً

رحيل الأديب والمؤرخ محمد صالح البليهشي عن عمر ناهز 83 عاماً

طلاب وطالبات تعليم الطائف صيفنا في نادينا

طلاب وطالبات تعليم الطائف صيفنا في نادينا

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode