عالم مجنون يتباهى فيه الناقصون

بقلم أ. غميص الظهيري

عالمٌ مجنونٌ بحقٍّ وحقيقة…

ترى فيه المتواضعَ يعتذر عن لطفه، والمتكبرَ يتباهى بنقصه وكأنه فتحٌ مبين.

عالمٌ صار فيه بعض البشر يرفعون أصواتهم لا لأنهم يملكون الحقيقة، بل لأن الفراغ في الداخل يحتاج إلى ضجيجٍ يغطيه.

الكِبر ليس رفعةً كما يظن أصحابه، بل سقوطٌ بطيء لا يسمعه إلا العقلاء.

هو مرضٌ يتسلل إلى الروح فيجعل الإنسان يرى نفسه قمّةً، بينما يراه الناس هاويةً تمشي على قدمين.

المتكبر لا يعلو… هو فقط يقف على أطراف غروره حتى يخيّل إليه أنه أطول من الجميع.

وما أعجب الكبر!

يجعل الفقير يتكبر بثوب، والجاهل يتكبر بكلمة، والفارغ يتكبر بصورة، وكأن الإنسان خُلق ليُقاس بالمظاهر لا بالأثر.

ينسى المتكبر أن أول خلقه من تراب وآخره يعود إلى التراب، وأن بينهما رحلة قصيرة لا تستحق كل هذا الانتفاخ.

 

الخيلاء ليست أناقة روح، بل قناع هشّ يخفي خوفًا دفينًا من أن يُكتشف الحجم الحقيقي لصاحبه.

فالواثق حقًا لا يحتاج أن يُشعر الآخرين بصغَرهم، والقوي لا يستمتع بإهانة الضعفاء، والعظيم لا يذكّر الناس بعظمته كل دقيقة.

الجبال لا تصرخ لتُثبت ارتفاعها، بينما العلب الفارغة تُحدث ضجيجًا يكفي لملء مدينة.

 

كم من متكبرٍ ظن أن الدنيا دارت لأجله، ثم مرّ الزمن عليه مرور الريح على ورقة يابسة، فلا اسمه بقي، ولا صوته سُمِع، ولا هيبته نفعت.

فالناس قد تخاف المتكبر يومًا، لكنها لا تحترمه أبدًا.

والقلوب قد تجامل الغرور، لكنها لا تُحبّه.

ثم تأمل الحياة جيدًا…

كل شيء فيها يعلّم التواضع:

السماء رغم عظمتها لا تقع على أحد، والأرض رغم اتساعها تحمل الجميع بصمت، والبحر رغم جبروته ينحني للشاطئ كل مرة.

فلماذا يتكبر الإنسان وهو أضعف من أن يمنع عن نفسه مرضًا، أو يؤخر دقيقةً من عمره؟

إن أكثر الناس جمالًا ليسوا أصحاب الوجوه المبهرة ولا الأسماء الثقيلة، بل أولئك الذين إذا حضروا شعر الجميع بالراحة، وإذا تحدثوا أنصتت الأرواح قبل الآذان، وإذا ارتفعوا ازدادوا تواضعًا.

فهؤلاء هم الكبار حقًا…

أما المتكبرون فمجرد أصوات عالية تخفت عند أول اختبار حقيقي للحياة.

وفي النهاية…

سيبقى التواضع سيّد الأخلاق، ويبقى الكبر عثرةً تُسقط صاحبها مهما طال وقوفه.

فالإنسان لا يكبر بما يملك، بل بما يمنح، ولا يعلو بما يقول عن نفسه، بل بما يقوله الناس عنه حين يرحل.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

حكاية: أنا في جزيرة الكنز

✍️ أخوكم الإعلامي/ خضران الزهراني. كنتُ أبحر وحيدًا في ليلةٍ هادئة، والبحر يلمع تحت ضوء القمر كأنه بساطٌ من الفضة. وبينما كنت أتأمل الأفق، هبّت عاصفةٌ عاتية قلبت مركبي وألقت بي على شاطئ جزيرةٍ مجهولة. استيقظت مع أول خيوط الفجر، فوجدت نفسي في جزيرةٍ كثيفة الأشجار، يلفّها الغموض من كل جانب. وبين الصخور القديمة لمحت خريطةً ممزقة، كُتب عليها: “طريق الكنز يبدأ بالشجاعة وينتهي بالحكمة.” بدأت…

رحلة بين الشاطئ والعمق

الكاتبة ايمان المغربي الحياة ليست شاطئ نقف عنده لنراقب الموج بل بحر واسع لا يمكن فهمه من الوقوف على حافته فقط فالوقوف الطويل لا يصنع اتجاه ولا يكشف عمق ولا يعلمنا كيف نصل هناك لحظات لا تكفي فيها النظرة من بعيد بل لا بد من الغوص حتى لو كان الماء مجهول وحتى لو لم نعرف ما الذي ينتظرنا في الداخل في الحياة مرافئ نعود إليها لنلتقط…

لقد فاتك ذلك

الطبعة الـ57 لمعرض الجزائر الدولي.. الصناعة العسكرية، استثمار متواصل في الابتكار وتعزيز الإدماج الوطني

الطبعة الـ57 لمعرض الجزائر الدولي.. الصناعة العسكرية، استثمار متواصل في الابتكار وتعزيز الإدماج الوطني

اليوم العالمي لمكافحة المخدرات.. أمنٌ ووعي

اليوم العالمي لمكافحة المخدرات.. أمنٌ ووعي

الجزائر توقّع رسالة دولية مشتركة تدعو إلى مراجعة لائحة الاتحاد الأوروبي المتعلقة بالميثان

الجزائر توقّع رسالة دولية مشتركة تدعو إلى مراجعة لائحة الاتحاد الأوروبي المتعلقة بالميثان

جمعية نماء الاجتماعية بجازان تختتم برنامج فن المكياج وتصفيف الشعر

جمعية نماء الاجتماعية بجازان تختتم برنامج فن المكياج وتصفيف الشعر

مبادرة تنظيف الشاطئ برعاية هيئة حقوق الإنسان بجدة

مبادرة تنظيف الشاطئ برعاية هيئة حقوق الإنسان بجدة

بيئة مكة المكرمة تدعم جمعيات حفظ النعمة الناشئة بمبادرة عطاء وتمكين

بيئة مكة المكرمة تدعم جمعيات حفظ النعمة الناشئة بمبادرة عطاء وتمكين

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode