دكتور حسن الأمير
ثمة سر أزلي يربط وجدان الرجل بالقلاع العصية على الاقتحام سر ممتد منذ أول التاريخ حيث لم يكن للظفر قيمة ما لم يسبقه عناء الطريق فالرجل في أعمق تلافيف سيكولوجيته لا يحرك ركوده الماء الآسن بل يستهويه الموج الهادر الذي يهدد بالغرق إنه لا يعشق إلا الأنثى الصعبة تلك التي لا تباع في أسواق الوجوه العابرة ولا تمنح مفاتيح مملكتها لطارق مستعجل
الأنثى الصعبة ليست تلك التي تتصنع الجفاء أو تلبس قناع الغرور الزائف بل هي تلك المستعصية على التوقع المتمنعة بكبريائها التي تملك من الاكتفاء الذاتي ما يجعل وجود الرجل في حياتها إضافة فاخرة لا شرطا وجوديا هذا الكبرياء تحديدا هو المغناطيس الخفي الذي يجتذب كبرياء الرجل
ففي قانون الغريزة والروح يرى الرجل في تمنعها مرآة لفروسيته ويبصر في غموضها آية تستحق الترتيل والتدبر إنها لا تقدم له الحنان مجانا لئلا يسترخصه بل تقطره في جوفه قطرة قطرة فيغدو الرشفة منها كأنه غيث بعد دهر
وهنا يكمن سحر التعزيز المتقطع الفن غير المكتوب الذي تتقنه الأنثى الصعبة بفطرتها فهي تشرق كالشمس دفئا وتألقًا حتى إذا ما ظن أنه امتلك شعاعها احتجبت وراء غمام الغموض فيرتد باحثا عنها في ليل حيرته هذا التذبذب بين القرب والبعد بين الوصل والصد ليس تلاعبًا بل هو النبض الذي يحمي العاطفة من الموت إيذان بالزوال
والمرأة المتاحة التي تفتح أبوابها عند أول نقرة على الجدار تسقط سريعا من حسابات الشغف لأنها لا تشبع فيه غريزة الصياد ولا تستفز في أعماقه صهيل التحدي
إن الرجل يحب ما يشابهه في القوة ويقدس ما يعجز عن تطويعه بسهولة والأنثى الصعبة تجعله يقف دائما على أطراف أصابعه مترقبًا متوجسًا متلهفًا
إنها تحوله من مستهلك عابر للمشاعر إلى شاعر يكتب بدمه فصول الاستحقاق وعندما ينجح في كسب قلبها لا يشعر بأنه حظي بامرأة فحسب بل يشعر بأنه توج بطلا في ملحمة وشتان بين من يدخل بيتًا أبوابه مشرعة وبين من يفتح حصنا كانت دونه الأرواح والمهج لذلك سيبقى الرجل يركض خلف الغزال الشارد ويترك الأنعام الراتعة فالعشق في شرعة الرجال لا يستقيم إلا إذا تعمد بدموع المكابدة وعرق الطموح
وحين تشتد المحافل بالهوى
يختار قلبي أن يموت بساحتك
فأنا الذي يرجو اللقاء تمنعا
وأنا الذي قد صان عهد مهابتك
يا قلعة بالمنع تحرس سورها
عذب هو المشوار نحو إجابتك
فخذ الحياة إذا أردت فداءها
إن الممات يكون طوع إرادتك
ما ضرني تعب الطريق وبعده
ما دام نور العين يرجو راحتك
أنا ذلك الصب الأسير بحبه
أرجو الأمان وملجئي في جنتك






