قضية المناخ: بين الابتزاز الأخضر والواقعية السعودية

 

بقلم أحمد علي بكري

لم تعد قضية المناخ اليوم مجرد نقاش علمي بحت حول درجات الحرارة والانبعاثات الكربونية وذوبان الجليد، بل تحولت إلى واحدة من أكثر القضايا توظيفًا في السياسة والاقتصاد والإعلام العالمي. فالعالم الذي يتحدث ليل نهار عن إنقاذ الكوكب، هو نفسه العالم الذي بنى ثرواته الصناعية لعقود طويلة على الفحم والنفط والمصانع الملوثة، ثم استيقظ فجأة ليطالب الدول النامية بدفع فاتورة “الخطيئة الكربونية” التي لم تكن هي من ارتكبها تاريخيًا.

المشكلة الحقيقية ليست في وجود تغير مناخي؛ فهذه قضية علمية واقعية لا يمكن إنكارها بالكامل، خصوصًا مع تصاعد الظواهر المناخية القاسية، وارتفاع درجات الحرارة، والتصحر، والاضطرابات البيئية التي يشهدها العالم. لكن الإشكالية تكمن في الطريقة التي جرى بها تحويل هذا الملف إلى أداة ضغط سياسي واقتصادي، تستخدمها القوى الكبرى لإعادة رسم موازين النفوذ العالمي تحت شعارات بيئية براقة.

لقد أصبح المناخ بالنسبة لبعض الدول الكبرى أشبه بـ “سلاح ناعم” جديد. فمن خلال الاتفاقيات البيئية، وضرائب الكربون، والقيود على الطاقة التقليدية، يجري فرض نمط اقتصادي معين يخدم مصالح الدول الصناعية التي قطعت بالفعل شوطها التنموي، بينما يُطلب من الدول الأخرى أن توقف نموها، أو أن تدفع أثمانًا باهظة للانتقال الطاقوي، حتى وإن كانت شعوبها لا تزال في مراحل التنمية الأساسية.

هذه الازدواجية تكشف نفسها بوضوح عندما ننظر إلى واقع الانبعاثات العالمية. فالدول الصناعية الكبرى التي ترفع رايات البيئة، ما تزال من أكبر المستهلكين للطاقة وأكثر الدول إنتاجًا للانبعاثات عبر التاريخ. ومع ذلك، يتم تسويق الخطاب العالمي وكأن الدول المنتجة للطاقة وحدها هي المتهم الأول. بل إن بعض القوى الغربية تمارس ضغوطًا اقتصادية وإعلامية على الدول النفطية، بينما تعود هي نفسها إلى الفحم والطاقة التقليدية كلما واجهت أزمة اقتصادية أو حربًا أو اضطرابًا في سلاسل الإمداد.

وقد كشفت الحرب الروسية الأوكرانية هذه الحقيقة بوضوح شديد؛ فعندما تعرضت أوروبا لأزمة طاقة خانقة، تراجعت الكثير من الشعارات المثالية، وعادت الدول تبحث عن النفط والغاز بأي وسيلة ممكنة، بل ورفعت استهلاك الفحم في بعض الحالات. وهنا ظهر التناقض الكبير بين الخطاب النظري والواقع العملي؛ فالعالم ما يزال يعتمد بشكل أساسي على الوقود الأحفوري، مهما حاول البعض تصوير الأمر وكأن الاستغناء عنه مسألة قريبة أو سهلة.

وسط هذا المشهد المليء بالمزايدات، برز النموذج السعودي بوصفه نموذجًا مختلفًا قائمًا على الواقعية لا الشعارات. فالمملكة العربية السعودية لم تدخل ملف المناخ بمنطق الإنكار الكامل، ولم تنجر أيضًا خلف الخطابات العاطفية التي تتجاهل احتياجات الاقتصاد العالمي. بل تبنت رؤية تقوم على التوازن بين حماية البيئة وضمان أمن الطاقة العالمي.

هذا التوجه السعودي لم يكن مجرد تصريحات إعلامية، بل تُرجم إلى مشاريع ومبادرات ضخمة على أرض الواقع. فقد أطلقت مبادرة السعودية الخضراء برامج واسعة لإعادة التشجير ومكافحة التصحر وتحسين جودة الحياة البيئية، مع خطط لزراعة مليارات الأشجار وتقليل الانبعاثات ورفع نسبة الاعتماد على الطاقة المتجددة. كما أطلقت المملكة مبادرة الشرق الأوسط الأخضر كمشروع إقليمي ضخم يهدف إلى تعزيز الغطاء النباتي ومواجهة التحديات البيئية على مستوى المنطقة بأكملها.

ولم تكتفِ المملكة بالشعارات البيئية، بل تعاملت مع الملف باعتباره قضية أمن وطني واستراتيجي، فأنشأت القوات الخاصة للأمن البيئي، إلى جانب المراكز الوطنية المتخصصة في تنمية الغطاء النباتي، والرقابة البيئية، وإدارة النفايات، وحماية الحياة الفطرية. هذا التحول يعكس فهمًا عميقًا بأن البيئة ليست مجرد رفاهية إعلامية، بل جزء من استقرار الدولة وجودة الحياة ومستقبل الأجيال القادمة.

وفي ملف الطاقة، تبنت السعودية مفهوم “الاقتصاد الدائري للكربون”، وهو نهج يقوم على تقليل الانبعاثات وإعادة استخدامها وتدويرها بدلًا من الطرح المثالي القائم على الإلغاء الكامل للوقود الأحفوري. وهذا النهج يعكس واقعية سياسية واقتصادية؛ لأن العالم ببساطة لا يستطيع حتى الآن الاستغناء الكامل عن النفط والغاز، مهما توسعت مشاريع الطاقة المتجددة.

بل إن المملكة أصبحت من أسرع دول مجموعة العشرين نموًا في قطاع الطاقة المتجددة، في الوقت الذي تواصل فيه الحفاظ على استقرار أسواق الطاقة العالمية. وهذا التوازن تحديدًا هو ما يفتقده كثير من الخطاب المناخي العالمي، الذي غالبًا ما يتحول إلى خطاب عاطفي منفصل عن الواقع الاقتصادي والجيوسياسي.

إن ما يسمى أحيانًا بـ “الابتزاز الأخضر” لا يعني رفض حماية البيئة، بل رفض استخدام البيئة كغطاء لفرض الهيمنة الاقتصادية والسياسية. فالدول الفقيرة والنامية تحتاج إلى التنمية والطاقة والصناعة والبنية التحتية، ولا يمكن مطالبتها بدفع ثمن أخطاء تاريخية ارتكبتها القوى الصناعية الكبرى طوال قرنين من الزمن.

كما أن الحديث عن المناخ يصبح فاقدًا للمصداقية عندما يُستخدم بصورة انتقائية؛ إذ يتم تجاهل التلوث الصناعي الهائل لبعض الدول، بينما يجري التركيز بشكل مبالغ فيه على الدول المنتجة للطاقة. هذه الانتقائية تخلق شعورًا عالميًا بأن القضية البيئية لم تعد دائمًا قضية علمية خالصة، بل أصبحت مرتبطة بتوازنات النفوذ والمصالح الدولية. وقد انعكس هذا الجدل حتى في النقاشات الشعبية العالمية حول دور الدول الكبرى في توظيف ملف المناخ سياسيًا واقتصاديًا.

وفي النهاية، فإن الفرق الحقيقي بين الدول لا يكمن فقط في عدد المؤتمرات التي تعقدها أو الشعارات التي ترفعها، بل في قدرتها على تقديم حلول واقعية قابلة للتطبيق. والسعودية، رغم كونها دولة نفطية كبرى، قدمت نموذجًا مختلفًا يقوم على الاعتراف بالمشكلة البيئية دون السقوط في الخطاب الشعبوي أو التضحية بالاستقرار الاقتصادي العالمي.

لقد أثبتت التجارب أن العالم يحتاج إلى الواقعية أكثر من حاجته إلى الضجيج الإعلامي. فالبيئة لا تُحمى بالشعارات وحدها، بل بالمشاريع، والتقنيات، والاستثمارات، والتخطيط طويل المدى. وبينما يستمر البعض في تحويل قضية المناخ إلى منصة للابتزاز السياسي أو الاستعراض الإعلامي، تمضي المملكة العربية السعودية في بناء نموذج أكثر توازنًا وهدوءًا، يحاول التوفيق بين التنمية والاستدامة، وبين أمن الطاقة وحماية البيئة، بعيدًا عن المثالية المنفصلة عن حقائق العالم المعقدة.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

حكاية وطن”..  حين تُبنى البيوت سَكنا وتُروى الأمجاد شِعرًا

  دكتور حسن الأمير تتعدد فصول الحكايات وتتنوع العبارات ولكن تبقى “حكاية وطن” هي الملحمة الأكثر خلوداً وإلهاماً في ذاكرة التاريخ الحديث……. ومع إشراقة الذكرى السادسة والتسعين لتوحيد المملكة العربية السعودية لا تبدو المناسبة مجرد استذكار ليوم مجيد فحسب بل هي تجسيد حي لرحلة عظيمة انتقلت فيها البلاد من شتات الصحراء إلى آفاق النماء والريادة العالمية في ظل رؤية السعودية 2030….. ولأن “الوطن” يبدأ من تفاصيل…

أيتها الحبيبة الغالية علينا

سارة السلطان / الرياض – اعلمي أن الإنسان عندما يخلو بنفسه بمكان هادئ، بعيد عن تأثير الآخرين ، يكون صادقا باتخاذ قرارات معينة ! – قد تهلكه أو تشرح صدره بالذات حين يتعلق الأمر باوامر بأوامر ونواهي الشرع! وبالذات أنت على فطرة الإسلام ولله الحمد، يهمك اتباع الحق ، نوجّه إليك هذا التساؤل يا غالية : – لماذا الحرص منا لكِ على اتباع الحق .. !؟…

لقد فاتك ذلك

حكاية وطن”..  حين تُبنى البيوت سَكنا وتُروى الأمجاد شِعرًا

حكاية وطن”..   حين تُبنى البيوت سَكنا وتُروى الأمجاد شِعرًا

سمو محافظ الأحساء يطّلع على خطة جامعة الملك فيصل للعام الجامعي الجديد

سمو محافظ الأحساء يطّلع على خطة جامعة الملك فيصل للعام الجامعي الجديد

المصمّمه دلال الهادي : اليوم الوطني فرصة لإبراز الهوية السعودية

المصمّمه دلال الهادي : اليوم الوطني فرصة لإبراز الهوية السعودية

أدبي جدة» يحتفي باليوم الوطني الـ96 بفعاليات ثقافية وفنية تجمع الأدب والفن والإعلام

أدبي جدة» يحتفي باليوم الوطني الـ96 بفعاليات ثقافية وفنية تجمع الأدب والفن والإعلام

تكريم يسرا اللوزي في افتتاح الدورة الأولى لمهرجان المنصورة لسينما الأطفال

تكريم يسرا اللوزي في افتتاح الدورة الأولى لمهرجان المنصورة لسينما الأطفال

الأوبرا المصرية تعلن عن تفاصيل الدورة الـ34 من مهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية الأربعاء القادم 

الأوبرا المصرية تعلن عن تفاصيل الدورة الـ34 من مهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية الأربعاء القادم 

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode