الإعلامي: عادل بن محمد البكري
جازان – صحيفة صدى نيوز إس
في هدوء اللحظات، حين يصمت العالم من حولنا، ويتنفّس القلم قبل أن يخطّ أولى كلماته، يبدأ داخل الإنسان كلامٌ لا يُقال، ومشاعرٌ تبحث عن منفذٍ فلا تجدُه إلا على صفحات الورق.
هناك فقط، يمسك قلمه وكأنه يحمل بين أنامله ما أثقل كيانه، ويبدأ في الكتابة دون تكلّف؛ لأن ما في الداخل أصدق من أن يُخفى.
القلم في تلك اللحظة لا يخطّ الحروف فحسب، بل يتنفّس مع صاحبه، ويُخرج معه ما تراكم في الصدر، وما عجز عن التعبير عنه في حينه.
يتحوّل الورق إلى مساحةٍ آمنة، يودع فيها الإنسان ما يثقل روحه وقلبه من أفكارٍ وأحاسيس.
وحين تُكتب الكلمات، لا تكون دائمًا قوية، بل أحيانًا تتنهّد، وكأنها خرجت من قلبٍ متعبٍ يحمل أكثر مما يحتمل.
ومع ذلك، فإنها تصل؛ لأن الصدق لا يحتاج إلى زينة، بل يحتاج إلى إحساس.
«والنفس حين تضيق لا تصرخ… بل تتنهّد.»
وتلك التنهيدة لغةٌ صامتة يفهمها من شعر بالآخرين، ومن أدرك أن وراء كل هدوء قصة، ووراء كل صمت حكاية، ووراء كل عينين شعورًا لا يُقال.
ولذلك نقول: لكل إنسان قصة وحكاية، حتى وإن لم يتكلم.
فكل إنسان يحمل في داخله عالمًا كاملًا؛ قد يكون فرحًا، أو ألمًا صامتًا، أو أملًا ينتظر، أو همًّا لا يراه أحد.
وحين تتنهّد الكلمات، تتحرّك السطور كأنها حياةٌ تمشي فوق الورق، تتأرجح بين الهدوء والعواصف.
ويصبح القلم كالسفينة بين المحيطات، يبحر بين المعاني، ويواجه تقلّبات الشعور وأمواج الصمت، لكنه يواصل المسير رغم كل شيء؛ لأن في داخله رسالةً لا بد أن تصل، حتى لو اشتدت العواصف وتلاطمت الأمواج من حوله.
وتبقى الكلمات مرآةً صادقةً للإنسان، لا تُخفي ضعفه ولا ألمه، بل تُنير أعماقه، وتمنحه فرصةً ليرى ذاته كما هي، بلا زيفٍ ولا ادّعاء.
وهكذا، بين أنفاس القلم وتنهّد الكلمات، تولد الحقيقة كما هي، ويشعر الإنسان بإحساسٍ مختلف، وكأن ما كان حبيسًا في داخله قد وجد طريقه أخيرًا إلى النور.
وتصبح الصفحات وطنًا للروح، يُلقى فيها الحمل، ويهدأ فيها الصخب، ويُعاد فيها ترتيب ما بعثره الزمن.
وفي النهاية،
يبقى القلم شاهدًا صامتًا لا يتكلم، لكنه يقول الكثير؛ لأن أعظم ما يكتبه الإنسان ليس ما يظهر على الورق، بل ما يخرج من أعماقه بصدق.
فيظلّ قادرًا على التحدّي والتجاوز ومواصلة العبور حتى يبلغ برّ الأمان.
فيواصل القلم رسالته التي لا تنتهي، حاملًا نبض الأحاسيس إلى صفحات الحياة، مترجمًا لها صوتًا.
لتشهد السطور أن أصدق العبارات هي تلك التي وُلدت من الصدق وعاشت بين السطور.









