السرغم او «الحَب» الجازاني: حين كانت سنابله تحرس أمن الأرض والغذاء في المملكة قبل ان يغيبه القمح المستورد

 

بقلم: أحمد علي بكري

تُعدّ منطقة جازان واحدةً من أكثر مناطق المملكة العربية السعودية ثراءً من الناحية الزراعية والبيئية، ليس فقط بسبب خصوبة تربتها وتنوع تضاريسها، بل لأنها شكّلت عبر مئات السنين نموذجاً حقيقياً للاكتفاء الغذائي المحلي القائم على المعرفة الزراعية المتوارثة والتكيّف الذكي مع الطبيعة والمناخ. فقد استطاع الإنسان الجازاني، بإمكاناته البسيطة وأدواته البدائية، أن يبني منظومة غذائية متكاملة جعلت من المنطقة سلةً زراعية حقيقية لجنوب الجزيرة العربية، حتى استحقت بجدارة لقب “سلة خبز المملكة”. ومن بين أهم المحاصيل التي صنعت هذه الهوية الزراعية العريقة محصولٌ ارتبط باسم جازان وذاكرة أهلها وثقافتهم الشعبية ارتباطاً عميقاً، وهو ما يُعرف محلياً باسم “الحَب”، ذلك النبات الذي لم يكن مجرد محصول زراعي عابر، بل كان أساس الحياة اليومية ومصدر الغذاء الرئيس لعقود طويلة، قبل أن تتراجع زراعته تدريجياً تحت ضغط التحولات الاقتصادية والغذائية الحديثة.

ويُعرف “الحَب” علمياً باسم السورغم أو الذرة الرفيعة، وهو من أقدم الحبوب التي عرفها الإنسان في المناطق الحارة وشبه الجافة، وقد ازدهرت زراعته في جازان بسبب توافقه الطبيعي مع مناخ المنطقة واحتياجه المحدود للمياه مقارنةً بمحاصيل أخرى كالقمح. وكان أهل جازان يطلقون عليه ببساطة اسم “الحَب”، وكأن الكلمة وحدها تكفي للتعبير عن قيمته ومكانته، إذ لم يكن يحتاج إلى تعريفٍ آخر في مجتمع كانت حياته تدور حول الزراعة والمواسم والمخزون الغذائي السنوي.

وقد اشتهر “الحَب” في جازان بنوعين رئيسيين هما الحَب الأبيض والحَب الأحمر، ولكلٍ منهما خصائصه واستخداماته ومكانته بين المزارعين والأسر. فالحَب الأبيض كان يُفضَّل غالباً في صناعة الخبز والمخبوزات الشعبية بسبب لونه الفاتح وطعمه الأخف وقوامه المناسب للطحن والعجن، وكانت رائحته حين يُخبز تعبق في البيوت والأسواق الشعبية كجزءٍ من ذاكرة المكان والناس. أما الحَب الأحمر فكان أكثر صلابةً وقوةً في التحمل، ويتميّز بارتفاع محتواه من بعض المركبات الطبيعية ومضادات الأكسدة، كما كان يُستخدم في بعض الأطعمة الشعبية والأعلاف ويُعرف بقدرته العالية على مقاومة الظروف المناخية القاسية. وكان المزارعون يميزون بين هذين النوعين بدقةٍ كبيرة، ليس فقط في الشكل واللون، بل حتى في مواسم الزراعة والحصاد والاستخدامات الغذائية المختلفة.

لقد كان “الحَب” أكثر من مجرد محصول موسمي؛ كان جزءاً من البناء الاجتماعي والاقتصادي والثقافي للمنطقة. فمواسم زراعته كانت ترتبط بالأمطار والنجوم وحسابات الفلاحين التقليدية، وكانت عملية الحصاد تمثل حدثاً جماعياً تشارك فيه الأسر والقرى بأكملها. وكانت السنابل الطويلة المتمايلة في الحقول تمثل رمزاً للخير والرخاء والطمأنينة، لأن وجود “الحَب” في المخازن يعني أن الأسرة تمتلك غذاءها الأساسي لأشهر طويلة دون خوفٍ من الجوع أو الحاجة.

واعتمدت زراعة “الحَب” في جازان بشكل أساسي على مياه الأمطار الموسمية، خصوصاً في السهول والأودية الخصبة، وهو ما يجعل هذا المحصول من أكثر المحاصيل انسجاماً مع طبيعة البيئة المحلية واستدامتها. فبينما تحتاج بعض المحاصيل الحديثة إلى استنزاف هائل للمياه والطاقة والأسمدة، كان “الحَب” ينمو بقوةٍ في ظروفٍ بسيطة نسبياً، متحملاً الحرارة العالية والجفاف وتقلبات المناخ. وهذه الميزة تحديداً تمنحه اليوم أهمية استراتيجية متزايدة في عصرٍ أصبحت فيه المياه مورداً حساساً والتغيرات المناخية تهدد الأمن الغذائي العالمي.

ومن الناحية الغذائية، يُعتبر “الحَب” من الكنوز الغذائية التي لم تحظَ بما تستحقه من الاهتمام الحديث. فهو غني بالألياف الغذائية التي تساعد على تحسين الهضم وتنظيم امتصاص السكر والشعور بالشبع لفترات طويلة، كما يحتوي على نسبة جيدة من البروتينات النباتية والمعادن المهمة مثل الحديد والمغنيسيوم والبوتاسيوم والفوسفور والزنك. ويتميّز كذلك بكونه خالياً من الجلوتين، مما يجعله خياراً صحياً مناسباً لفئات واسعة من الناس، خصوصاً لمن يعانون من حساسية القمح أو اضطرابات الجهاز الهضمي المرتبطة بالجلوتين.

أما الحَب الأحمر على وجه الخصوص، فيتميّز بارتفاع محتواه من مضادات الأكسدة الطبيعية والمركبات النباتية المفيدة، وهي عناصر أصبحت تحظى باهتمام كبير في الدراسات الغذائية الحديثة بسبب دورها في تقليل الالتهابات وحماية الخلايا من الأضرار التأكسدية. كما أن “الحَب” عموماً يمتلك مؤشراً جلايسيمياً أقل من كثير من منتجات القمح الأبيض المكرر، ما يجعله خياراً أفضل نسبياً لمن يسعون إلى أنظمة غذائية متوازنة أو التحكم في مستويات السكر والطاقة.

وفي المقابل، شهدت العقود الأخيرة تراجعاً ملحوظاً في زراعة “الحَب”، حتى اختفت مساحات واسعة من حقوله التي كانت تغطي أجزاء كبيرة من جازان. ويرجع ذلك إلى عدة عوامل متشابكة، يأتي في مقدمتها هيمنة القمح عالمياً وتحول معظم الصناعات الغذائية الحديثة لخدمته وحده. فالعالم اليوم أصبح يدور اقتصادياً وصناعياً حول القمح، من المطاحن والآلات الزراعية إلى المخابز والصناعات الغذائية الكبرى، حتى أصبحت الحبوب المحلية التقليدية تُدفع تدريجياً نحو الهامش، لا بسبب ضعفها، بل بسبب غياب الدعم والتطوير والتسويق.

لقد سخّرت الدول الكبرى والشركات العملاقة إمكانيات هائلة لجعل القمح المنتج الغذائي المسيطر عالمياً، وتم تطوير آلات حصاد وطحن وخبز وتقنيات تخزين متقدمة تخدمه تحديداً، بينما تُركت محاصيل محلية كثيرة مثل “الحَب” خارج دائرة التطوير الصناعي. ومع الوقت، تغيّرت أنماط الاستهلاك الغذائي، وارتبط الخبز الأبيض ومنتجات القمح المكرر بالحياة الحديثة، رغم ما تحمله في كثير من الأحيان من سعرات حرارية مرتفعة وقيمة غذائية أقل مقارنةً بالحبوب التقليدية الكاملة.

والمفارقة المؤلمة أن “الحَب” الذي نجح قديماً في تحقيق الأمن الغذائي لجازان بإمكانات بدائية وحصادٍ يدوي بسيط، أصبح اليوم شبه غائب في وقتٍ تمتلك فيه المملكة تقنيات زراعية وصناعية هائلة. فلو توفرت لهذا المحصول برامج دعم حقيقية، ومعدات حديثة للحصاد والطحن، ومراكز أبحاث متخصصة لتطوير سلالاته وتحسين إنتاجيته، لربما عاد ليكون أحد أهم أعمدة الأمن الغذائي الوطني.

إن الجدوى الاقتصادية لإحياء زراعة “الحَب” ليست مجرد فكرة رومانسية مرتبطة بالماضي، بل مشروع استراتيجي حقيقي يحمل أبعاداً اقتصادية وغذائية وبيئية عميقة. فهذا المحصول أقل استهلاكاً للمياه، وأكثر قدرة على التكيف مع المناخ المحلي، ويمكن استخدامه في صناعات غذائية متعددة تشمل الدقيق الصحي والمخبوزات التقليدية والأطعمة العضوية والأعلاف الحيوانية. كما أن الطلب العالمي على المنتجات الصحية والخالية من الجلوتين يشهد نمواً متسارعاً، ما يفتح الباب أمام فرص استثمارية وصناعات تحويلية واعدة يمكن أن تستفيد منها جازان والمملكة بشكل عام.

بل إن إعادة إحياء “الحَب” يمكن أن تسهم في إعادة تنشيط الريف الجازاني نفسه، وتشجيع المزارعين على العودة إلى أراضيهم، وخلق فرص عمل جديدة مرتبطة بالزراعة والصناعات الغذائية والسياحة التراثية. فالعالم اليوم بدأ يعود تدريجياً إلى تقدير الحبوب التقليدية والمحاصيل المحلية بعد أن أدرك مخاطر الاعتماد المفرط على التنوع المحدود في الغذاء العالمي.

إن الأمم التي تفقد بذورها المحلية ومحاصيلها التقليدية لا تفقد مجرد نباتات، بل تفقد جزءاً من ذاكرتها واستقلالها وهويتها الحضارية. و”الحَب” في جازان ليس مجرد محصول قديم، بل رمزٌ لعلاقة الإنسان بأرضه، ودليلٌ على أن هذه المنطقة استطاعت يوماً أن تبني أمنها الغذائي بعرق أهلها وخبرة مزارعيها دون أن تكون رهينة للأسواق العالمية أو تقلبات السياسة الدولية.

وربما آن الأوان اليوم لإعادة النظر في هذا الإرث الزراعي العظيم، ليس من باب الحنين فقط، بل من باب الوعي بالمستقبل. فالأمن الغذائي الحقيقي لا يُبنى بالاعتماد الكامل على الاستيراد، بل بتعزيز المحاصيل المحلية القادرة على الصمود والاستدامة والتكيف مع البيئة الوطنية. و”الحَب” الجازاني، الأبيض منه والأحمر، ليس بقايا من الماضي كما يظن البعض، بل فرصة حقيقية لمستقبل أكثر توازناً واستقلالاً واستدامة.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

بين أنفاس القلم وتنهّد الكلمات

الإعلامي: عادل بن محمد البكري جازان – صحيفة صدى نيوز إس في هدوء اللحظات، حين يصمت العالم من حولنا، ويتنفّس القلم قبل أن يخطّ أولى كلماته، يبدأ داخل الإنسان كلامٌ لا يُقال، ومشاعرٌ تبحث عن منفذٍ فلا تجدُه إلا على صفحات الورق. هناك فقط، يمسك قلمه وكأنه يحمل بين أنامله ما أثقل كيانه، ويبدأ في الكتابة دون تكلّف؛ لأن ما في الداخل أصدق من أن يُخفى.…

هل يعاني الإنسان العربي السعودي من اختلال نفسي أم من اختلال في التوازن؟

  د. محمد بن يوسف الصالح في السنوات الأخيرة ، أصبح الحديث عن الصحة النفسية أكثر حضورًا في المجتمع السعودي ، لكن الملاحظة الأهم ليست فقط في ارتفاع الوعي ، بل ازدياد الحيرة أيضًا ، فالكثير من الناس لم يعودوا يعرفون: هل ما يشعرون به هو اضطراب نفسي فعلًا؟ أم أنه صراع داخلي بين ما يؤمنون به ، وما يفرضه المجتمع عليهم ، وما يرغبون به…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

السرغم او «الحَب» الجازاني: حين كانت سنابله تحرس أمن الأرض والغذاء في المملكة قبل ان يغيبه القمح المستورد

السرغم او «الحَب» الجازاني: حين كانت سنابله تحرس أمن الأرض والغذاء في المملكة قبل ان يغيبه القمح المستورد

جمعية الثقافة والفنون بجدة تعيد الجمهور بامسية عامل المعرفة

جمعية الثقافة والفنون بجدة تعيد الجمهور بامسية عامل المعرفة

ضمن برنامج لمسة وفاء جمعية التنمية الأسرية بالأفلاج تقدم برامج متنوعة لتعزيز الصحة 

ضمن برنامج لمسة وفاء جمعية التنمية الأسرية بالأفلاج تقدم برامج متنوعة لتعزيز الصحة 

حوار استراتيجى بين مصر واليابان لتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين

حوار استراتيجى بين مصر واليابان لتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين

م.وليد آل دغيس يكرّم الصحفيين في حفل نجاح موسم الحج

م.وليد آل دغيس يكرّم الصحفيين في حفل نجاح موسم الحج

اتحاد كأس الخليج العربي لكرة القدم يكشف تفاصيل النسخة الثالثة من دوري أبطال الخليج للأندية 2026-2027

اتحاد كأس الخليج العربي لكرة القدم يكشف تفاصيل النسخة الثالثة من دوري أبطال الخليج للأندية 2026-2027

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode