_حوار بين القلم والورقة _
في مساءٍ هادئٍ كانت الورقة البيضاء تتمدّد على الطاولة كبحيرةٍ من ضوء القمر، بينما استلقى القلم بجانبها متبخترًا كفارسٍ يحمل سيفًا من حبر.
قال القلم وهو يهزّ رأسه في زهو: — ما أجملكِ أيتها الورقة، لكنكِ تبقين صامتةً كسماءٍ بلا نجوم حتى أمرّ عليكِ.
ابتسمت الورقة وقالت: — وأنت يا صديقي، ما أنت إلا غيمةٌ مثقلة بالحبر، تظلّ هائمةً في جيب صاحبك حتى تجد أرضًا تهطل عليها.
ضحك القلم وقال: — إذن أنا المطر؟
قالت الورقة: — نعم، لكن لا تغترّ كثيرًا، فبعض أمطارك تجعل الأطفال يرسبون في الامتحانات!
ارتجف القلم من الضحك حتى كاد يسقط عن الطاولة، ثم قال: — حسناً، اعترفي أن القصائد تولد من طرفي.
أجابته الورقة: — والقصائد تنام في أحضاني. أنت تعزف اللحن، وأنا أحتفظ بالصدى.
ساد صمتٌ قصير، كأن الليل نفسه أصغى إلى حديثهما.
ثم قال القلم بصوتٍ أكثر رقة: — أخبريني، ألا تخافين من أن تمتلئي بالكلمات؟
أجابت الورقة: — بل أخاف أن أبقى بيضاء إلى الأبد. فالبياض الجميل قد يكون أحيانًا وحدةً طويلة.
تنهد القلم وقال: — وأنا أخاف أن يجف حبري قبل أن أقول كل ما في قلبي.
قالت الورقة: — إذن نحن متشابهان أكثر مما نظن؛ أنت تخشى الصمت، وأنا أخشى الفراغ.
مرّت نسمةٌ خفيفة من النافذة، فارتجفت الورقة كغصن صفصافٍ يلامس الماء، وقالت مازحة: — لكن لديّ شكوى منك.
— وما هي؟
— خطك في آخر الليل يشبه نملًا ضلّ طريقه!
ضحك القلم حتى تناثرت نقطة حبر على طرفها.
فقالت: — أرأيت؟ حتى ضحكتك تترك أثرًا!
عندها أدرك القلم أنه مهما كان بريق الحبر، فلن يراه أحد بلا ورقة، وأدركت الورقة أن بياضها، مهما كان نقيًّا، يحتاج إلى كلمة تمنحه الحياة.
الخاتمة
وقبل أن يبزغ الفجر، كتبا معًا أول سطرٍ في قصةٍ جديدة، فعلمت الورقة أن القيمة ليست في أن نبقى ناصعين، وعلم القلم أن المجد ليس في أن نكتب وحدنا.
فبعض الأشياء لا تكتمل إلا بشريكها؛ فالحبر يحتاج إلى بياضٍ يحتضنه، كما تحتاج الأرواح إلى من يقرأ ما فيها.
ومن يومها، كلما فتح أحدهم كتابًا، كان يسمع — إن أصغى جيدًا — همسًا خفيًا يقول:
“لا تفتخر بما تملك من كلمات، بل بمن يمنحها معنى.”
بقلمي : سمر جهاد ابراهيم







