حوار: ايمان المغربي
ليس البحر هو الذي يمنح السفن اتجاهها، بل البوصلة التي تحملها في أعماقها. فكم من أمواج عبرت، وكم من موانئ ازدحمت بالأسماء، بينما بقيت سفن قليلة تعرف أن الوصول ليس غايتها الوحيدة، بل أن يكون لعبورها معنى، ولتوقفها مرسى، ولصمتها لغة يفهمها من يجيد الإصغاء.
وهكذا تبدو الكتابة أيضا؛ ليست سباق نحو ميناء أخير، ولا سعي إلى شاطئ بعينه، بل إبحار بين أسئلة الإنسان وتقلبات وعيه. تحمل كل فكرة ملوحتها الخاصة، ويغادر كل نص مرفأ صاحبه ليبدأ حياة أخرى فوق أمواج لا يعرف إلى أي الجهات ستقوده.
وفي تجربة الكاتبة اريج حلبي ، لا تبدو الكلمة مرساة للثبات، بل بوصلة تواصل الإشارة إلى آفاق أبعد، حيث لا تخشى الأفكار تغير الرياح، ولا تتردد الأسئلة أمام اتساع البحر. لذلك، لن نكتفي بالنظر إلى السفينة من بعيد، بل سنبحر مع الأستاذة ايمان المغربي، باحثين عن الكنوز التي تخفيها الأعماق، ومتتبعين اتجاهات تلك البوصلة التي صنعت للكاتبة اريج حلبي صوتها الخاص.
1- إذا طلب منكِ أن تعرفي نفسكِ ككاتبة من خلال أثر كتابتكِ لا من خلال اسمك كيف سيكون هذا التعريف؟
إذا جُرِّدتُ من الحروف التي تشكّل اسمي، ستجديني في ذلك الارتباك العذب الذي يصيب القارئ حين يرى ظله يركض بين السطور، أنا الأثر الذي يخلخل الطمأنينة المزيفة، ليزرع مكانها أسئلة تولد من رحم الدهشة والغموض، وأنا ذلك الحرف الذي يعكس باطن الإنسان بجرأة، ويكشف للقراء أن العمق لا يُقاس بالثبات… بل بالقدرة على الارتجاج والتحوّل.
أنا صوت الذين لا صوت لهم بإختصار …
2- ما الذي يدفعكِ للكتابة في لحظة البداية؟
أكتب لأن هناك فكرة ترفض أن تظل طيفاً، وتطالب بجسد من حبر؛ إنها رغبة عارمة في ممارسة الجرأة لمواجهة التناقضات الإنسانية، وفي تحويل العابر والمنسيّ إلى أثر باقٍ يتنفس. في لحظة البداية، أقف كمن يشعل عود ثقاب في عتمة الذاكرة، لست أبحث عن الدفء، بل عن الضوء الذي يكشف الملامح الحقيقية للأشياء.”
3- كيف تتشكل لديكِ الفكرة قبل أن تتحول إلى نص؟
“تتشكل الفكرة في داخلي كجنين؛ لا تولد كاملة ولا تأتي دفعة واحدة، بل تبدأ كارتجاج خفيف في الوعي، أو ارتباك سيكولوجي غامض يثيره مشهد عابر، أو تناقض إنساني حاد يرفض الذاكرة أن تطويه. هي في البداية مجرد ظلال تطفو في العقل الباطن، تتغذى على الصمت والتأمل، وتبحث عن رمز يمنحها ملامحها الأولى.
4- ما الذي يتغير فيكِ أثناء الكتابة؟
أثناء الكتابة، تتلاشى اريج الانسانة وأتحول إلى كائن من احتمالات. تسقط عني المسافات والحدود؛ وادخل في حالة تفصل بين الواقع والحلم، وتتحرر في داخلي تلك الأصوات المخبوءة التي لا تجرؤ اللحظات العادية على إطلاقها.
يتغير فيّ إيقاع الوقت؛ الثواني تتسع لتصبح دهوراً من التأمل، والذاكرة تكفّ عن كونها مخزناً للماضي لتصبح مختبراً لابتكار الحاضر. في تلك اللحظات، لستُ أنا من يمسك بالقلم، بل أنا من يُعاد تشكيله مع كل سطر. أتحلل من يقيني، وأصبح أكثر تصالحاً مع الغموض والتناقض الإنساني، وكأنني أغادر ضفة ذاتي القديمة لأولد من جديد مع كل علامة ترقيم.
5- هل تكتبين الفكرة كما هي أم كما تصبح داخل النص؟
لو كتبتُ الفكرة كما هي، لَقَتلتُها. الفكرة في مهدها ليست سوى شرارة أولى، طيف عابر يحتاج إلى مأوى. أما النص، فهو المختبر الذي يمنحها الحياة والجسد والعمق.
6- ما الذي تخسره الفكرة وما الذي تكسبه حين تتحول إلى كتابة؟
حين تتحول الفكرة إلى كتابة، تخسر عذريتها الأولى؛ تفقد ذلك الهلام المطلق والحرية اللانهائية التي كانت تنعم بها وهي تسبح في فضاء الذهن مجردة من قيود الحرف. تخسر الفكرة صمتها الآمن، والغموض الكامل الذي يحميها من التأويل أو سوء الفهم ..
في المقابل، تكسب الوجود والأثر؛ تخرج من عتمة الهواجس الفردية إلى ضوء الوعي الإنساني المشترك
7- متى تشعرين أن النص اكتمل؟
يكتمل النص حين يبدأ في مقاومتي، حين أشعر أنه لم يعد بحاجة إلى أصابعي، بل أصبح يملك نفَساً خاصاً به وإيقاعاً يخصه وحده. الاكتمال في الكتابة ليس وصلاً إلى نهاية سعيدة أو نقطة إغلاق أخيرة، بل هو لحظة موازنة دقيقة بين الامتلاء والصمت.
8- هل تعودين لتعديل نصوصك بعد النشر؟
بعد النشر، أعود إلى النص كقارئة غريبة عنه، لا كصاحبة سلطة عليه. النص المنشور يشبه الندبة التي جفّت؛ محاولة نبشها وتعديلها قد تشوه ملامح اللحظة الزمنية التي وُلد فيها. التعديل بعد النشر هو نوع من فرض الوصاية المتأخرة على كائن اختار أن يرحل ويعيش حريته في وعي الآخرين.
لذا لا اقوم بتعديل نصوصي !
9- ما العلاقة بين حياتك اليومية وكتابتك؟
حياتي اليومية ليست منفصلة عن كتاباتي، بل هي المختبر السريّ لها. أنا لا أكتب لأوثّق يومياتي، بل أكتب لأفككها؛ آخذ العابر، والهامشي، والمنسي في تفاصيل النهار، وأعطيه بعداً سيكولوجياً ورمزياً ينقذه من الزوال … في حين تمنحني الكتابة الجرأة لأعيد ترتيب هذا كله، ولأخلق من الروتين العادي دهشة غامضة. إنني أعيش التفاصيل كإنسانة، لكنني أتنفسها ككاتبة، فالحبر في النهاية ليس سوى الامتداد العميق والبديل السريّ للحياة التي نحياها.”
10- ماذا لو لم يعرف القراء اسمكِ واكتفوا بالنصوص وحدها بماذا تحبين أن يتذكروكِ؟
لو سقط الاسم وظلت الحروف وحدها، أحب أن يتذكروني كصوتٍ داخليّ كان يجرؤ على قول ما يخشون هم الالتفات إليه في عتمة أنفسهم. أحب أن يتذكروا نصوصي كمرآةٍ حداثية واجهتهم بتناقضاتهم النفسية الصادمة، دون أن تترك فيهم ندبة تؤذيهم، بل أثراً يوقظ وعيهم … مع العلم أن كتابات اريج حلبي تشبهها والقراء يميزوها عن غيرها دوماً !
الخاتمة
ومع نهاية هذا الحوار، لا تبدو السفينة وكأنها بلغت آخر ميناء، بل كأنها تواصل إبحارها في بحر أوسع. فليست كل السفن صنعت لتبقى عند المرافئ، وبعض البوصلات لا تشير إلى الجهات الأربع فحسب، بل تشير إلى ما هو أبعد من ذلك؛ إلى المعنى نفسه.
شكرا للكاتبة اريج حلبي على هذا الحوار الذي أتاح لنا الاقتراب من عالمها، ومرافقة جزء من هذا الإبحار الفكري والإنساني. وبين الأمواج المتغيرة والموانئ المتعددة، تبقى الكتابة هي السفينة الأصدق، ويبقى لكل صوت يعرف اتجاهه مرساه الذي يليق به







