«صيف العنود»… أمسية جعلت من الجمهور بطلًا ومن الخيال لغةً للحياة

 

✒️ حمد دقدقي _ جازان

 

ما أجمل أن يُفتح للطفل بابٌ لا يقوده إلى اللهو وحده، بل إلى اكتشاف نفسه، وأن تمتد إليه يدٌ لا تلقنه الكلمات، بل تعلّمه كيف يصنعها. فالطفولة لا تنمو بالسنين وحدها، وإنما تنمو بالفرص التي تُمنح لها، وبالقلوب التي تؤمن بأن الإنسان العظيم يبدأ طفلًا صغيرًا يقف لأول مرة أمام الحياة.

 

ومن هذا الإيمان جاءت مبادرة «صيف العنود» التي تنظمها مؤسسة الأميرة العنود الخيرية، لتجعل من أيام الصيف مواسم للمعرفة، ومن أوقات الفراغ حقولًا تُزرع فيها بذور الإبداع. وفي مساء الخميس السادس من أغسطس 2026م، احتضن بيت الثقافة بجازان ورشة المسرح التفاعلي للأطفال، التي قدمها المدرب وليد خميس، فكانت أمسيةً لم يُشاهد فيها الحاضرون عرضًا مسرحيًا، بل شاهدوا الإنسان وهو يولد من جديد في أعين الأطفال.

 

لم يبدأ المسرح بستارةٍ ارتفعت، بل بدأ بابتسامةٍ أزاحت رهبة الوقوف، وبكلمةٍ هادئةٍ كسرت جدار الخجل الذي كثيرًا ما يحبس مواهب الصغار خلف صمتهم. وما إن صعد الأطفال إلى خشبة المسرح حتى تبدلت وجوههم، فإذا بالخوف يتراجع، وإذا بالثقة تنمو في خطواتهم كما تنمو الأغصان حين يلامسها المطر.

 

وكان أول الدروس أن المسرح لا يعرف المتفرجين، بل يعرف الشركاء. فالجمهور هنا ليس شاهدًا على الحكاية، وإنما هو صانعها، والطفل ليس حافظًا لدورٍ كُتب له، بل مؤلفٌ ينسج المشهد من خياله، ويمنحه من روحه ما لا تستطيع الأوراق أن تكتبه.

 

وفي تمرين «النحات»، كانت الأجساد تتحرك، ولكن الذي كان يتشكل في الحقيقة هو الخيال. فقد صار كل طفلٍ ينحت صورةً من فكرته، ويصنع من الحركة لغةً أبلغ من الكلام، حتى بدا المسرح كأنه مرسمٌ كبير، لا يرسم الوجوه، وإنما يرسم النفوس.

 

ثم راحت الأسئلة تتهادى بين المدرب والجمهور، فكان لكل جوابٍ حكاية، ولكل حكاية نافذةٌ تطل على عالمٍ من البراءة. ولم يكن المدرب يبحث عن إجابةٍ صحيحة، بل كان يبحث عن عقلٍ يفكر، وقلبٍ يجرؤ على التعبير، لأن التربية الحقيقية لا تُقاس بما يحفظه الطفل، وإنما بما يكتشفه بنفسه.

 

وتحدثت الورشة عن المسرح التاريخي، والكوميدي، والتراثي، والكلاسيكي، غير أن المسرح التفاعلي ظل أكثرها قربًا إلى الروح، لأنه لا يرفع ممثلًا فوق الجمهور، ولا يجعل المشاهد حبيس مقعده، بل يجمع الجميع في دائرةٍ واحدة، يتبادلون فيها الحكاية كما يتبادلون الفرح.

 

وكان أجمل ما في الأمسية أن المسرح جمع الأطفال والكبار في مشهدٍ واحد، فألغى الفوارق التي يصنعها العمر، وأسقط الألقاب التي يتباهى بها الناس خارج أبوابه. فما إن يقف الإنسان على خشبته حتى يعود كما خلقه الله؛ قلبًا يشعر، وروحًا تتكلم، وإنسانًا لا يعرف إلا صدق اللحظة.

 

وفي الختام، ولدت قصةٌ من أفكار المشاركين، بدأت صغيرةً ثم أخذت تكبر كما تكبر الحكايات الجميلة، حتى انتهت إلى مشهدٍ يدور في قسم الطوارئ بأحد المستشفيات، وقد أسهم كل طفلٍ في نسج خيطٍ من خيوطها، حتى غدت القصة ابنةً للجميع، لا يُنسب فضلها إلى فرد، بل إلى روحٍ جماعيةٍ آمنت بأن الإبداع لا يولد إلا حين تتصافح القلوب.

 

وهكذا مضت الأمسية، ولم تترك وراءها ضجيجًا عابرًا، بل تركت أثرًا هادئًا في النفوس، يهمس بأن المسرح ليس مكانًا للتمثيل فحسب، بل مدرسةٌ لتربية الإنسان، وأن الطفل الذي يتعلم اليوم كيف يقف بثقةٍ أمام الناس، سيقف غدًا بثباتٍ أمام الحياة. وتلك هي الرسالة التي أرادت مؤسسة الأميرة العنود الخيرية أن تكتبها في صيف جازان؛ أن الاستثمار الحقيقي ليس في الحجر، وإنما في الإنسان، وليس في الوقت، وإنما في الأثر الذي يبقى بعد أن ينتهي كل شيء

صدى نيوز إس 3

Related Posts

جازان ترسم مستقبلها.. انطلاق منظومة استراتيجية جديدة للاستثمار والتخطيط

  ✒️ حمد دقدقي ـ جازان   ليست الأوطان تُبنى بالحجارة وحدها، وإنما تُبنى أولًا بالفكرة التي تسبق الحجر، وبالرؤية التي تسبق الطريق، وبالعقول التي ترى في الغد وطنًا لم يولد بعد، فتشرع في صناعته من اليوم. ومن هنا، فإن بعض الاجتماعات لا تُدوَّن في محاضر الإدارات فحسب، بل تُكتب في ذاكرة الزمن، لأنها تمثل اللحظة التي يلتقي فيها الحلم بالإرادة، والرؤية بالفعل، والطموح بالعمل.  …

الحنين إلى القرى القديمة.. حين تشتاق الذاكرة إلى المكان

الباحة – الإعلامي محمد الحمود الغامدي في قرى الباحة القديمة، لا تزال الذاكرة تحتفظ بتفاصيل زمن جميل؛ البيوت الحجرية، والمدرجات الزراعية، ومجالس الأجداد، وطرقات القرية التي كانت تجمع الأهل والجيران. نشتاق إلى تلك الأماكن ليس لجمالها فقط، بل لما تحمله من ذكريات ووجوه وأصوات ومواقف صنعت جزءًا من حياتنا. كانت الحياة أبسط، والقلوب أقرب، واللقاءات أكثر دفئًا. ومع تغير الزمن ورحيل بعض الأحبة وتغير ملامح القرى،…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

«صيف العنود»… أمسية جعلت من الجمهور بطلًا ومن الخيال لغةً للحياة

«صيف العنود»… أمسية جعلت من الجمهور بطلًا ومن الخيال لغةً للحياة

جازان ترسم مستقبلها.. انطلاق منظومة استراتيجية جديدة للاستثمار والتخطيط

جازان ترسم مستقبلها.. انطلاق منظومة استراتيجية جديدة للاستثمار والتخطيط

عندما يتواضع العلم… يرتقي الإنسان

عندما يتواضع العلم… يرتقي الإنسان

الحنين إلى القرى القديمة.. حين تشتاق الذاكرة إلى المكان

الحنين إلى القرى القديمة.. حين تشتاق الذاكرة إلى المكان

بحضور الأهل والأصدقاء.. الأستاذ درباش الزهراني يحتفل بزواج نجليه

بحضور الأهل والأصدقاء.. الأستاذ درباش الزهراني يحتفل بزواج نجليه

اعتراف الضعيف بعظمتك

اعتراف الضعيف بعظمتك

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode