عندما تجد التقدير والتحفيز من الغريب

 

بقلم: أحمد علي بكري

من أكثر المفارقات إيلامًا أن يجد الإنسان كلمات التشجيع والتقدير ممن لا تربطه بهم أي صلة، بينما لا يحصد من بعض من يُفترض أنهم الأقرب إليه إلا التثبيط والاستهزاء والتقليل من شأنه. وكأن نجاحك عند الغريب مدعاة للفرح، أما عند بعض الأقارب فهو سبب للضيق والانزعاج. فبدل أن يكونوا أول من يفرح بإنجازك، يصبحون أول من يبحث عن ثغرة يهدم بها ما بنيته، أو كلمة يقلل بها من قيمة ما حققته، أو تعليق يزرع في نفسك الشك بعد أن كنت مليئًا بالثقة. ولطالما استغربت من أولئك الذين لا يجيدون إلا الانتقاد، فإذا قدمت عملًا قالوا: ليس بالمستوى. وإذا أنجزت إنجازًا قالوا: كان يمكن أن يكون أفضل. وإذا بلغت مرحلة لم يبلغوها قالوا: لا تستحقها. والعجيب أنك عندما تطلب منهم بكل أدب واحترام أن يبينوا لك مواضع الخطأ، وأن يوضحوا لك كيف يمكن تطوير العمل، يصيبهم الصمت، ويخرسون تمامًا، لأنهم في الحقيقة لا يملكون علمًا ينفعونك به، ولا خبرة يرشدونك إليها، وإنما اعتادوا ممارسة دور المحبط لا دور الناصح، ودور الهادم لا دور البناء. فالناقد الحقيقي يقدم الدليل والحل، أما المثبط فلا يحمل إلا الكلمات الجارحة والعبارات المقتضبة التي لا قيمة لها. والمؤلم أكثر أن بعضهم لا يكتفي بالتقليل من شأنك، بل ينتقل إلى الهمز واللمز والسخرية والتشكيك في قدراتك، وكأن نجاحك انتقاص من مكانته، أو كأن تقدمك يكشف تقصيره. ومع ذلك نحاول جاهدين أن نتجاوز إساءاتهم، ونغض الطرف عن تجاوزاتهم، لا خوفًا منهم، ولا عجزًا عن الرد عليهم، وإنما احترامًا لما تربينا عليه من تعظيم صلة الرحم، وتوقير الكبير، وحفظ مكانة الأقارب، حتى وإن أساؤوا إلينا. فالتربية الحسنة كثيرًا ما تُجبر صاحبها على الصمت في الموضع الذي يستطيع فيه أن يرد الصاع صاعين. لكن للصبر حدود، وللحلم نهاية، وليس معنى سكوت الإنسان أنه لا يستطيع الرد، وليس معنى حلمه أنه يجهل حقيقة ما يُقال عنه. فكم من كلمة جارحة سكتنا عنها، وكم من إساءة تجاوزناها، وكم من موقف مؤلم دفناه في صدورنا حفاظًا على ما بقي من الود، لا لأننا ضعفاء، بل لأننا نؤمن أن الكلمة إذا خرجت لا تعود، وأن قطع الرحم ليس من شيم الكرام. وفي المقابل، تجد أناسًا لم تجمعك بهم صداقة قديمة، ولا تربطك بهم قرابة، ولا مصلحة، فيستقبلك أحدهم بكلمة صادقة، أو ملاحظة بناءة، أو دعاء طيب، أو إشادة ترفع بها معنوياتك أكثر مما فعل كثير ممن يعرفونك منذ سنوات. هؤلاء لا يخشون نجاحك، لأن نفوسهم سليمة، ولا يرون في تفوقك تهديدًا لهم، لأنهم يدركون أن الأرزاق والمواهب لا تنقص أحدًا إذا برز غيره، وأن نجاح الآخرين لا يحجب عنهم شيئًا كتبه الله لهم. أما بعض الأقارب، فتجدهم يترقبون لحظة تعثرك كما يترقب الصياد فريسته، وينتظرون زلتك ليجعلوا منها حديث المجالس، وربما أضافوا إليها من الأكاذيب والإشاعات ما لم يحدث أصلًا، ليشبعوا بذلك غلًا دفينًا وحسدًا مستترًا. فإن نجحت قالوا: صدفة. وإن اجتهدت قالوا: مبالغة. وإن أثنى عليك الناس قالوا: لا يعرفون حقيقته. وإن أخطأت خطأً يسيرًا جعلوه عنوانًا لشخصيتك كلها، وكأنهم لا يرتاحون إلا إذا رأوك في القاع. والأعجب أن بعض هؤلاء قد وسع الله عليهم في المال والجاه والنعمة، فلا ينقصهم شيء، ومع ذلك يضيق صدرهم إذا رأوك ترتقي خطوة واحدة. لا يريدونك أن تكبر، ولا أن تنضج، ولا أن يشتد عودك، ولا أن يكون لك اسم أو أثر بين الناس. يريدونك أن تبقى في المكان الذي اعتادوا أن يروك فيه، لأنهم لا يحتملون أن تتجاوز الصورة التي رسموها لك في أذهانهم قبل سنوات. وهذا ليس لعيب فيك، بل لخلل في نفوسهم، فصاحب النفس السوية يفرح لنجاح غيره، أما صاحب النفس المريضة فيتألم من كل نجاح لا يحمل اسمه. وليعلم هؤلاء أن الاحتقار الذي يمارسونه لا يصنع منهم عظماء، كما أن التقليل من شأن الآخرين لا يرفع من شأنهم. فمن كان خالي الوفاض من الإنجاز، فلن يملأ فراغه بالاستهزاء بالناس، ومن عجز عن صناعة مجده، حاول هدم أمجاد غيره، ومن ضاقت نفسه بالحسد، عاش أسيرًا له حتى آخر عمره. أما نحن، فما زلنا نحفظ لكم الود، وما زلنا نلتزم بالأدب الذي غرسه فينا آباؤنا، وما زلنا نقدم حسن الظن على إساءة الظن، ونختار الصمت على الخصومة، ونفضل إصلاح ذات البين على الانتصار للنفس. لكن لا تظنوا أن الحلم ضعف، ولا أن الصبر عجز، ولا أن التغاضي جهل بما تفعلون. فما سكتنا إلا اختيارًا، وما تجاوزنا إلا ترفعًا، وما أعرضنا إلا حفاظًا على ما بقي من صلة الرحم. فإن جاء اليوم الذي اضطررنا فيه إلى الرد، فلن يكون ظلمًا لكم، وإنما سيكون ردًا لما ألقيتموه بأيديكم. وستعود إليكم بضاعتكم كاملة، لا نقص فيها ولا زيادة، وحينها لن يكون لأحد أن يلوم إلا نفسه، لأن من اعتاد أن يرشق الناس بالحجارة، لا ينبغي أن يتعجب إذا ارتدت عليه. ومع علمنا بما يكنّه بعضهم في صدورهم من غِلٍّ وحسد، وما يضمرونه من انتقاص وتقليل، فإن ذلك لم يمنعنا يومًا من أداء ما تمليه علينا أخلاقنا وتربيتنا. فلا تزال تجدنا في أوائل الصفوف في أفراحهم قبل أن يدعونا، نحضر بقلوب صادقة، ونفرح لفرحهم فرحًا حقيقيًا لا مجاملة فيه ولا تصنع، وندعو لهم من أعماق قلوبنا أن يديم الله عليهم نعمه، لأن الفرح إذا كان صادقًا لا يعرف الحسد طريقًا إليه. وإذا نزلت بهم مصيبة أو ألمّ بهم حزن، كنت تجدنا من أوائل المعزين، نحزن لحزنهم حزنًا صادقًا، ونواسيهم ابتغاء وجه الله، لا رياءً ولا تزلفًا ولا طلبًا لثناء أحد، لأننا تعلمنا أن المروءة تظهر في الشدائد قبل الرخاء. أما هم، فكثيرًا ما يكون الأمر على النقيض تمامًا. فإن حضروا لك فرحًا، رأيت الفتور يكسو وجوههم، وكأن البِشر أثقل عليهم من الجبال، وربما اصفرّت وجوههم ضيقًا مما يرونه من سرور الناس بك، ثم لا يكتفون بذلك، بل يجعلون من المناسبة ميدانًا للهمز واللمز، فيطلق أحدهم كلمة جارحة أو تعليقًا مستفزًا أمام الحاضرين، فإذا استنكر أحد فعله احتمى بعبارةٍ باتت شماعة لكل سوء: “إنما نمزح… هذه مجرد دعابة.” وكأن الإهانة إذا لُفّت بثوب المزاح أصبحت خلقًا حسنًا، أو كأن كسر الخواطر يباح متى سُمّي دعابة. وإن حضروا لك عزاءً أو موقفًا مؤلمًا، رأيت من بعضهم ما لا يليق بمن يعرف حق القرابة؛ ابتسامات لا تخطئها العين، ونظرات تشفٍّ يحاولون إخفاءها فلا يفلحون، وكأن مصابك كان خبرًا مفرحًا لهم، أو كأنهم وجدوا في حزنك راحةً لما تضيق به صدورهم. وليس أشد على النفس من أن ترى الشماتة في وجه من كان الأولى به أن يكون سندًا، وأن تجد المواساة عند الغريب، بينما يخذلك من يجمعك به رحم واسم وعائلة. ومع ذلك كله، لم ولن نتخلى عن أخلاقنا لنشابههم، لأن القيم لا تُختبر حين يعاملك الناس بالحسنى، وإنما تُختبر حين يسيئون إليك فتظل وفيًا لمبادئك. لكننا في الوقت نفسه لا نخلط بين حسن الخلق والغفلة، ولا بين الحلم والضعف، فقد عرفنا الناس على حقيقتهم، وعرفنا ما تخفيه الصدور، إلا أننا آثرنا أن يبقى ميزاننا الأخلاق لا أخلاقهم، وأن يكون ردنا بأفعالنا قبل أقوالنا، حتى إذا جاء يوم الحساب بين الناس، علم الجميع من الذي حفظ الود، ومن الذي أضاعه. ويبقى الدرس الذي تعلمته من الحياة أن قيمة الإنسان لا تُقاس بقرابة الدم، وإنما بصدق الموقف، ونبل الأخلاق، وحسن الكلمة. فكم من غريب أصبح أخًا بمروءته، وكم من قريب ابتعد بقسوة قلبه. وليس كل من شاركك النسب يستحق أن يشاركك المسير، فبعض الناس تجمعك بهم الأرحام، لكن تفرقكم الأخلاق، بينما يجمعك بآخرين حسن الخلق وصدق النية حتى يصبحوا أقرب إلى القلب من كثير ممن تجمعك بهم شجرة العائلة.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

فهم الشخصية المزاجية.. مفتاح النجاح للتعامل معه

  بقلم د/ معدي حسين علي آل حيه مشاركتي في هذا المقال اخترته لكم من احدى القنوات المهتمه بالتربية وهو هام للتعامل مع بعض الأشخاص بطريقة صحيحة من خلال فهم الشخصيات حيث يواجه كثير من الناس في محيط الأسرة والعمل والمدرسة شخصيات تتسم بسرعة تقلب المزاج، فتارة تكون بشوشة ومتفاعلة، وتارة أخرى تميل إلى الصمت أو الانفعال دون أسباب واضحة. ويؤكد المختصون أن التعامل مع هذه…

كيف نصنع من رقة المشاعر قوة في الشخصية؟

  بقلم د/ معدي آل حيه من احدى القنوات المهتمه بالتربية شدني هذا الموضوع في أساليب التربية حيث انها تختلف طبائع الناس في طريقة استقبالهم للمواقف اليومية والتفاعل معها؛ فبينما يتجاوز بعضهم الكلمات القاسية سريعًا، يبقى أثرها راسخًا في نفوس آخرين لفترات طويلة. ويُعد الأشخاص شديدو الحساسية من أكثر الفئات تأثرًا بالكلمات والمواقف، إذ يمتلكون مشاعر مرهفة وقدرة عالية على ملاحظة التفاصيل، مما يجعلهم أكثر عرضة…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

فهم الشخصية المزاجية.. مفتاح النجاح للتعامل معه

فهم الشخصية المزاجية.. مفتاح النجاح للتعامل معه

عندما تجد التقدير والتحفيز من الغريب

عندما تجد التقدير والتحفيز من الغريب

معسكر صيفية كاتب.. رحلة تصنع الفكرة قبل أن تولد على الورق

معسكر صيفية كاتب.. رحلة تصنع الفكرة قبل أن تولد على الورق

الهروب المستحب 

الهروب المستحب 

كيف نصنع من رقة المشاعر قوة في الشخصية؟

كيف نصنع من رقة المشاعر قوة في الشخصية؟

هيئة العناية بالحرمين توظّف منظومة التكييف المتقدمة لتعزيز راحة القاصدين في المسجد الحرام

هيئة العناية بالحرمين توظّف منظومة التكييف المتقدمة لتعزيز راحة القاصدين في المسجد الحرام

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode