فخ أكثر من اللازم

بقلم | سلافة سمباوه

لا تبدأ العلاقات المؤذية بالكراهية، بل تبدأ غالبًا بالحب.

حب يفيض حتى يتجاوز حدوده، وعطاء لا يعرف التوقف، وتسامح يتحول مع الوقت إلى تنازل، ثم إلى اعتياد، ثم إلى استنزاف لا يشعر به صاحبه إلا بعدما يفقد نفسه.

المشكلة ليست في الحب، وإنما في كل ما يأتي أكثر من اللازم.

عندما يتحول الحب إلى وجع دائم، فنحن نحب أكثر من اللازم.

وعندما نغفر الإساءة مرة بعد أخرى لأننا نؤمن أن الطرف الآخر سيتغير، فنحن نحب أكثر من اللازم.

وعندما نتحول إلى معالجين نفسيين لمن نحب، ونبرر أخطاءه، ونفسر قسوته، ونؤجل احتياجاتنا حتى يتعافى هو، فنحن نحب أكثر من اللازم.

وعندما نختزل الحياة كلها في شخص واحد، ونصبح أسرى لمزاجه، ورسائله، وصمته، وحضوره، فنحن لم نعد نعيش حبًا، بل نعيش تعلقًا.

لكن لماذا يحدث ذلك؟

لأن الإنسان لا يبحث عن الحب وحده، بل يبحث عن الأمان، والانتماء، والشعور بأنه ذو قيمة. والخوف من الوحدة يدفع كثيرين إلى التمسك بعلاقات تؤذيهم أكثر مما تمنحهم.

وتبدأ الحكاية غالبًا في الطفولة. فالطفل الذي لم يشعر بالاحتواء الكافي، أو اعتاد أن يكون الحب مشروطًا، أو تعلم أن الاهتمام لا يأتي إلا بعد المعاناة، يكبر وهو يخلط بين الحب والتعب. فينجذب، دون وعي، إلى الأشخاص الأكثر اضطرابًا، معتقدًا أن دوره هو الإنقاذ والإصلاح.

ومع مرور الوقت، يتحول الشريك إلى مشروع، لا إلى علاقة. يصبح إصلاحه هدفًا، واحتمال أذاه فضيلة، حتى ينسى الإنسان أن الحب مشاركة، لا مهمة علاجية.

ثم يحدث ما هو أخطر.

لا نعود متعلقين بالشخص، بل بالصورة التي صنعناها عنه، وبالأمل الذي علقناه عليه، فنحب النسخة التي نتمنى أن يكونها، ونتجاهل النسخة التي يعاملنا بها كل يوم.

لهذا يصعب الرحيل.

ليس لأن الحب قوي، بل لأن الوهم أصبح أقوى.

الحب الناضج لا يطلب منك أن تتنازل عن قيمك، ولا أن تخسر سلامك النفسي، ولا أن تجعل كرامتك ثمنًا لاستمرار العلاقة. إنه يمنحك الطمأنينة، ويجعلك أكثر اتزانًا، لا أكثر قلقًا.

أما الخلاص، فيبدأ عندما تدرك أن وضع الحدود ليس قسوة، وأن الرحيل عن العلاقة المستنزفة ليس أنانية، وأن محبتك لنفسك لا تقل قيمة عن محبتك للآخر.

فالحب الحقيقي لا يجعلك تخسر نفسك.

وكل حب يسلبك سلامك… هو حب وقع في فخ أكثر من اللازم.

صدي نيوز اس 6

Related Posts

مكانة الإعلامي في موقع الحدث.. هل هو قصّ ولصق أم مهنة تحكمها الأنظمة والقوانين؟

  بقلم/ الإعلامي خضران الزهراني عاشق القلم 🖊 الإعلامي الحقيقي ليس مجرد ناقلٍ لما ينشره الآخرون، ولا تقتصر مهمته على نسخ الأخبار ولصقها في حساباته أو منصاته؛ بل هو صاحب رسالة ومسؤولية مهنية وأخلاقية، تتطلب منه التحقق من المعلومات، وفهم الحدث، وصياغة الخبر بمصداقية واحترافية، مع الالتزام بالأنظمة والقوانين المنظمة للعمل الإعلامي.   أولًا: هل الإعلام قصّ ولصق؟   نقل الأخبار وإعادة نشرها قد يكون ممارسة…

​هَنْدَسَةُ الِانْتِصَارِ الدَّاخِلِيِّ: [ ​حِينَ يَكُونُ تَجَاوُزُ السُّقُوطِ هُوَ النَّصْرَ الأَبْقَى]

  ​بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ​تَتَّجِهُ بُوصَلَةُ البَشَرِيَّةِ غَالِباً نَحْوَ المَظَاهِرِ الخَارِجِيَّةِ لِلنَّجَاحِ؛ فَتَنْصَرِفُ الأَعْيُنُ إِلَى الأَلْقَابِ، وَالمَنَاصِبِ، وَالأَرْقَامِ، وَتَنْبَهِرُ بِالمُنْتَصِرِينَ فِي سَاحَاتِ العَرْضِ العَامِّ. ​غَيْرَ أَنَّ الحَقِيقَةَ الَّتِي غَالِباً مَا تَتَوَارَى خَلْفَ صَخَبِ الحَيَاةِ هِيَ أَنَّ المَعَارِكَ الكُبْرَى، وَتِلْكَ الَّتِي تَلِيقُ حَقّاً بِالإِنْسَانِ، لَا تُدَارُ عَلَى مَسَارِحِ الدُّنْيَا ابْتِدَاءً، بَلْ تُخَاضُ وَتُحْسَمُ أَوَّلاً فِي خَلْوَةِ الرُّوحِ مَعَ ذَاتِهَا. ​إِنَّ الفَوْزَ الحَقِيقِيَّ وَالأَصِيلَ الَّذِي يَنْبَغِي عَلَى…

لقد فاتك ذلك

نادي ملتقى المبدعين الثقافي يحتفي بجمال القصيدة في أمسية تمايل زهور الخزامى

نادي ملتقى المبدعين الثقافي يحتفي بجمال القصيدة في أمسية تمايل زهور الخزامى

مفتي الجمهورية يثمِّن دعوة شيخ الأزهر إلى تشكيل لجنة وساطة عاجلة لإنهاء الحروب والصراعات في المنطقة العربية

مفتي الجمهورية يثمِّن دعوة شيخ الأزهر إلى تشكيل لجنة وساطة عاجلة لإنهاء الحروب والصراعات في المنطقة العربية

الإعلامي عبدالله سهل يحتفي بعقد قران ابنته المهندسة لانا في أبوعريش

الإعلامي عبدالله سهل يحتفي بعقد قران ابنته المهندسة لانا في أبوعريش

إعلان تفاصيل مؤتمر مهرجان كركوك الدولى لمسرح الشارع فى دورتة العاشرة

إعلان تفاصيل مؤتمر مهرجان كركوك الدولى لمسرح الشارع فى دورتة العاشرة

جازان تختتم فعاليات معرض “لكل صوت أثر” للتوعية بالصحة النفسية بحضور أكثر من 4,000 زائر

جازان تختتم فعاليات معرض “لكل صوت أثر” للتوعية بالصحة النفسية بحضور أكثر من 4,000 زائر

العريفي يباشر مهامه محافظًا للنعيرية

العريفي يباشر مهامه محافظًا للنعيرية

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode