عبدالله شراحيلي ابو يحى
ليست الحياةُ نهرًا هادئًا يجري على وتيرةٍ واحدة، ولا طريقًا مفروشًا بالطمأنينة من أوله إلى آخره. إنها تتبدّل كما تتبدّل الفصول، وتمنح الإنسان يومًا من الفرح، ثم تمتحنه بيومٍ من التعب، وتفتح له بابًا من الأمل، ثم تدعوه إلى الصبر أمام بابٍ آخر لم يُفتح بعد. وهكذا تمضي الأيام، لا لأنها قاسية، بل لأنها تُعلّمنا أن الاستقرار الحقيقي ليس هبةً تُعطى، بل مهارةٌ تُكتسب.
إن أكثر الناس راحةً ليسوا أولئك الذين خلت حياتهم من المتاعب، وإنما أولئك الذين تعلّموا كيف يصنعون في أعماقهم مساحةً من السكينة، لا تهزها العواصف مهما اشتدت. فالهدوء الذي يعتمد على الظروف هدوءٌ مؤقت، أما الهدوء الذي ينبع من الداخل فهو كنزٌ لا تسرقه تقلبات الأيام.
الحياة لا تعد أحدًا بأن تبقى كما يشتهي، لكنها تمنحه في كل تجربة درسًا جديدًا. فكل خسارةٍ تحمل حكمة، وكل انتظارٍ يصنع نضجًا، وكل انكسارٍ يترك في الروح بابًا يدخل منه نور المعرفة. ومن يفهم هذه الحقيقة يدرك أن الاستقرار ليس غياب المشكلات، وإنما حضور الحكمة في التعامل معها.
وحين يتصالح الإنسان مع نفسه، ويؤمن أن الأقدار تجري بحكمة الله، تتغير نظرته إلى كل شيء. فلا يعود يرهقه تأخر الأمنيات، ولا يقتله خوف الغد، لأنه يعلم أن ما كُتب له سيأتي في أوانه، وأن لكل مرحلةٍ رسالةً، ولكل محنةٍ نهاية، ولكل ليلٍ فجرًا لا بد أن يولد.
لقد علّمتنا الحياة أن البيوت قد تضيق بأهلها، بينما تتسع القلوب بالإيمان، وأن الأموال قد تشتري أسباب الراحة، لكنها لا تستطيع شراء الطمأنينة. فالسكينة ليست سلعةً تُقتنى، بل ثمرةُ قلبٍ عرف الله، ورضي بقضائه، وأحسن الظن به، وعاش ممتلئًا بالأمل مهما اشتدت الخطوب.
وما أجمل الإنسان حين يجعل من الأزمات مدارس، ومن الصبر رفيقًا، ومن التفاؤل منهجًا، فلا يقف طويلًا عند خسارة، ولا يسمح لخيبةٍ أن تعرقل مسيرته. إنه يدرك أن الحياة لا تكافئ الأقوى دائمًا، بل تكافئ الأكثر ثباتًا، والأقدر على النهوض بعد كل عثرة.
وفي النهاية، يبقى الاستقرار الحقيقي قرارًا داخليًا قبل أن يكون واقعًا خارجيًا. فمن استطاع أن يبني في قلبه وطنًا من الرضا، وأن يزرع في روحه شجرةً من اليقين، فلن تقتلعها رياح الدنيا مهما عصفت، وسيظل يحمل سلامه معه أينما حلّ، لأن أجمل الأوطان ليست تلك التي نسكنها، بل تلك التي تسكن أرواحنا.







