ماذا عساي أن أقول؟

بقلم: الإعلامي/ خضران الزهراني

«ماذا عساي أن أقولُ وحرفُ البوحِ قد عَجِزا

والقلبُ أضناهُ الأسى… لكنَّهُ ما انحازَ أو هَزِلا

ما كنتُ أرجو من زماني وردةً

لكنني أرجو من الرحمنِ ما أمِلا

إنَّ الكرامةَ موقفٌ لا يُشترى

والحقُّ يبقى شامخًا… مهما افترى من قد جَهِلا

نمضي، ويشهدُ دربُنا أنَّ الوفاءَ عقيدةٌ

لا تنثني، ولا تُبدَّلُ، ولا تُنتزعُ من أهلِها.»

ماذا عساي أن أقول، وقد ضاقت الحروف عن حمل ما يختلج في الصدور، وعجزت الكلمات أن تبلغ منزلة الشعور؟ وكيف يبوح القلب بكل ما فيه، وهو يعلم أن بعض الأحزان لا تُقال، وبعض الخيبات لا يليق بها إلا الصمت؟

لقد علمتني الحياة أن الإنسان لا يُعرف بكثرة حديثه، وإنما تُعرَف قيمته بثبات مواقفه، ونبل أخلاقه، وصدق كلمته، وأن العمر مهما طال، فإن أجمل ما يتركه المرء خلفه سيرةٌ طيبة، وذكرٌ حسن، وأثرٌ لا تمحوه الأيام.

«إذا ضاقَ صدري قلتُ: يا ربِّ إنني

أتيتُ إليكَ، وأنتَ أكرمُ من دُعِي

فما خابَ عبدٌ مدَّ كفَّ رجائِهِ

إلى اللهِ، إلا عادَ بالفضلِ مُكتفي»

تعلمت أن الكرامة ليست كلمة تُرفع في الخطب، بل خلقٌ يلازم صاحبه في الرخاء والشدة، وأن الصبر ليس ضعفًا، بل قوة لا يملكها إلا أصحاب النفوس الكبيرة. وتعلمت أن الصدق قد يُتعب صاحبه، لكنه لا يُذله، وأن المبادئ قد تُكلّف كثيرًا، لكنها لا تُورث إلا العزة.

ولم أعد ألتفت إلى ضجيج المادحين، ولا إلى سهام المنتقدين، لأن رضا الناس غاية لا تُدرك، أما رضا الله فهو الغاية التي تستحق أن تُطلب.

«دعِ الناسَ… إنَّ الناسَ بحرُ تقلبٍ

فلا تجعلِ الأمواجَ تحكمُ مَرسَاكَ

وعِشْ شامخًا، فالعزُّ يسكنُ من غدا

على الحقِّ، لا يخشى الملامةَ أو هلاكَهْ»

ما أكثر الذين يظنون أن النجاح عنوانه الشهرة، وأن الظهور هو المقياس، بينما الحقيقة أن النجاح هو أن تنام مطمئن الضمير، وأن تلقى الله بقلبٍ لم يحمل ظلمًا، ولسانٍ لم ينطق زورًا، ويدٍ امتدت للخير لا للأذى.

ولقد أيقنت أن الحياة تمضي، وأن الوجوه تتغير، وأن المناصب تزول، وأن الأسماء قد تُنسى، ولكن يبقى العمل الصالح، وتبقى الكلمة الصادقة، ويبقى الدعاء الذي يخرج من قلب محب.

«سيبقى الجميلُ وإن توارى أهلُهُ

ويخبو الضجيجُ وإن تعالى صوتهُ

ويبقى الأصيلُ وإن تنكَّرَ عصرُهُ

فالأصلُ أصلٌ… لا يغيِّرُهُ الزمانُ»

وحين تضيق بي الدنيا، لا أطرق بابًا أعظم من باب الله، ولا أرفع حاجتي إلا لمن بيده ملكوت كل شيء، فهو الذي يجبر الكسير، ويغني الفقير، ويشرح الصدر، ويبدل العسر يسرًا.

فما أجمل أن يعيش الإنسان كريم النفس، ثابت المبدأ، نقي السريرة، لا يبيع ضميره بثمن، ولا يغيره بريق المصالح، لأن من كانت قيمه راسخة، بقي عالي المقام وإن قلّ ظهوره، ومن كانت غايته رضا الله، فلن يضره أن يتأخر عن موكب المظاهر.

«إذا ساءَ ظنُّ الناسِ يومًا بموقفي

فحسبي بأنَّ اللهَ يعلمُ نيَّتي

وإن ضاقَ دربي فاليقينُ رفيقُهُ

وإن طالَ ليلي… فالصباحُ هديَّتي

فما خُلِقَ الإنسانُ إلا عابرًا

ويبقى من الأعمالِ طيبُ السيرةِ

فخذْ من حياتِكَ ما يليقُ بذكرِها

فإنَّ البقاءَ لجميلِ الأثرِ… لا لطولِ العُمُرِ.»

وفي الختام… ماذا عساي أن أقول؟

سأقول: الحمد لله على ما مضى، والحمد لله على ما يأتي، والحمد لله في كل حال. فما خاب قلبٌ جعل ثقته بالله، ولا ضاع إنسانٌ جعل الصدق منهجه، والإحسان طريقه، والكرامة عنوان حياته.

صدي نيوز اس 6

Related Posts

حين تُستهدف الكلمة… تبدأ عاصفة الوعي

الإعلامي/ عادل بن محمد البكري هناك لحظات في حياة الكاتب يدرك فيها أن المواجهة لم تعد مع الفكرة التي طرحها، ولا مع القضية التي ناقشها، بل أصبحت موجهة نحو شخصه وقلمه؛ حين تتحول الكلمة من مساحة للحوار إلى هدف لمحاولات متعددة تسعى إلى التأثير على صاحبها أو إبعاده عن رسالته. فالكاتب الذي يحمل مشروع الوعي لا يكتب بحثًا عن الإعجاب، ولا يسعى إلى إرضاء الجميع، لأن…

نحن خلف الصورة

الكاتبة /وجنات صالح ولي.  وماذا خلف تلك الصور الجميلة التي يراها الآخرون عنا؟ في حقيقة الأمر، أن وراءها خلفيات كثيرة مليئة بالشخبطات القاتلة، المركونة بعيدًا عن أعين الناس، لا يستطيع أحد أن يراها أو يشاهد عمق تفاصيلها. ولا يصدقون بأن ذلك الشخص قوي لتلك الدرجة التي قام فيها بإظهار ذلك الجمال لهم، وهو يصارع نفسه صراعات داخلية لا تشبه واقعه المرئي. وكان قويًا بما يكفي حتى…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

فاطمة مبارك بارفعه تحاور محمد السفياني في «جوهر الضيافة»

فاطمة مبارك بارفعه تحاور محمد السفياني في «جوهر الضيافة»

ماذا عساي أن أقول؟

ماذا عساي أن أقول؟

حين تُستهدف الكلمة… تبدأ عاصفة الوعي

حين تُستهدف الكلمة… تبدأ عاصفة الوعي

نحن خلف الصورة

نحن خلف الصورة

النظام فوق الجميع… والإعلام مسؤولية وطنية لا تقبل الاجتهادات الشخصية

النظام فوق الجميع… والإعلام مسؤولية وطنية لا تقبل الاجتهادات الشخصية

المربي بين الرحمة والحزم.. عندما تتحول العاطفة إلى عائق تربوي

المربي بين الرحمة والحزم.. عندما تتحول العاطفة إلى عائق تربوي

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode