حين يحترق الصمت تحت لهيب الشمس

بقلم: الإعلامي خضران الزهراني

في زمنٍ أصبحت فيه درجات الحرارة تلامس أرقامًا قياسية، وتشتد فيه أشعة الشمس حتى يعجز الإنسان عن الوقوف تحتها دقائق معدودة، هناك أرواحٌ ضعيفة لا تعرف بابًا تغلقه، ولا سقفًا يحميها، ولا جهاز تكييفٍ يخفف عنها قسوة القيظ.

إنها مخلوقاتٌ خلقها الله مثلنا… تشعر بالجوع كما نشعر، وتعطش كما نعطش، وتتألم كما نتألم، لكنها لا تستطيع أن تبوح بما في داخلها، ولا أن تمد يدها طالبةً العون.

هذه القطة الصغيرة، الممددة فوق أرضٍ ملتهبة، ليست مجرد صورة التقطتها عدسة هاتف، بل هي مشهدٌ تختصر فيه الإنسانية امتحانها الحقيقي. عينان أنهكهما الانتظار، وجسدٌ أنهكته حرارة الأرض، ولهاثٌ يحكي قصة عطشٍ قد لا يراه كثيرون، لكنه عند الله ليس خافيًا.

في اللحظة التي يحتسي فيها البعض ماءً باردًا، ويبحث عن الظل هربًا من وهج الشمس، تقطع هذه المخلوقات مسافاتٍ طويلة فوق الصخور الساخنة بحثًا عن قطرة ماء، أو لقمةٍ تبقيها على قيد الحياة، أو زاوية ظلٍ تنجو بها من حرارة تكاد تلتهم أجسادها.

كم هو مؤلم أن يكون الموت أحيانًا ليس بسبب المرض، بل بسبب العطش… بسبب الجوع… بسبب غياب الرحمة.

لقد جعل الإسلام الرحمة مبدأً عظيمًا، ولم يفرق بين إنسانٍ وحيوان في استحقاقها، بل جعل الإحسان إلى الحيوان سببًا لدخول الجنة، كما جعل تعذيبه سببًا للعقوبة. إنها رسالةٌ خالدة تؤكد أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملك، وإنما بما يحمله قلبه من رحمة.

إن وضع إناء ماء أمام المنزل، أو عند المسجد، أو في الحديقة، أو بجوار مزرعة، لا يكلف شيئًا، لكنه قد يكون الفارق بين الحياة والموت لمخلوقٍ ضعيف لا يستطيع أن ينطق، وقد يكون صدقةً جاريةً يكتب الله أجرها كلما ارتوى منها كائنٌ حي.

ولعل أعظم المآسي أن تمر هذه المشاهد أمام أعيننا حتى تصبح مألوفة، فنفقد الإحساس بها، بينما هي في حقيقتها صرخاتٌ صامتة تستغيث بكل قلبٍ حي.

لا تجعل حرارة الشمس أشد من حرارة القلوب القاسية، ولا تجعل عطش هذه المخلوقات يمر أمامك وكأنه أمرٌ عادي.

فربما كانت قطرة ماءٍ منك… سببًا في حياة روح، وربما كانت تلك الرحمة الصغيرة سببًا في أن يرحمك الله يوم لا ينفع مالٌ ولا جاه، ولا يبقى إلا العمل الصالح.

ارحموا من في الأرض… يرحمكم من في السماء.

فما أعظم الإنسان حين يحمل في قلبه رحمةً تشمل كل مخلوقات الله، وما أقسى الحياة حين يغيب عنها الإحسان.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

غسق

محمد باجعفر قالت: وأنت مارج من نار تعيد رسمي بنار أبدية تمر في خاطري فتشتعل الجهات وأمد يدي إلى غيابك كأن للحنين جمرًا يمكن الإمساك به ​يا رجلًا كلما حاولت كتابته احترق طرف الورقة ماذا فعلت بصوتي؟ كنت أعرف كيف أقول اسمي، وكيف أعبر الليل وحدي الآن أتوقف عند أول حرف منك وتضيع مني بقية اللغة. ​أحبك بقلق امرأة تخبئ عاصفة في صدرها وتبدو هادئة حد…

ما يتأخر ظهوره لا يعني أنه لم يكن موجوداً

  كاتبة رأي ايمان المغربي قد يمضي الإنسان سنوات وهو يحمل فكرة يؤمن بها أو قدرة يعرفها في نفسه دون أن يجد المجال الذي يمنحها فرصة حقيقية للظهور ينشغل بواجباته ومسؤولياته وتبقى بعض جوانبه في مساحة خاصة لا يلتفت إليها كثيراً من حوله ثم تأتي مرحلة مختلفة من حياته فتتاح له فرصة لم تكن متوفرة من قبل فيبدأ ما لديه بالخروج إلى النور ليس كل ما…

لقد فاتك ذلك

سمو نائب أمير منطقة الباحة يطّلع على تقرير أعمال وإنجازات مركز تنمية الغطاء النباتي

سمو نائب أمير منطقة الباحة يطّلع على تقرير أعمال وإنجازات مركز تنمية الغطاء النباتي

إمام وخطيب المركز الثقافي الإسلامي بمدينة درانسي شمال باريس في فرنسا يشيد بجهود معالي وزير الشؤون الإسلامية 

إمام وخطيب المركز الثقافي الإسلامي بمدينة درانسي شمال باريس في فرنسا يشيد بجهود معالي وزير الشؤون الإسلامية 

معالي وزير السياحة يطلق “مسار الشمال” تحت شعار “في كل وقفة رحلة” بتجارب سياحية  

معالي وزير السياحة يطلق “مسار الشمال” تحت شعار “في كل وقفة رحلة” بتجارب سياحية   

الماتروشكا الروسية تخطف قلوب اطفال الغد المشرق لتعزيز التعاون الإنساني المصري الروسي

الماتروشكا الروسية تخطف قلوب اطفال الغد المشرق  لتعزيز التعاون الإنساني المصري الروسي

وزير الشؤون الإسلامية يوجّه بتخصيص خطبة الجمعة للتحذير من العصبية القبلية وتعزيز اللحمة الوطنية

وزير الشؤون الإسلامية يوجّه بتخصيص خطبة الجمعة للتحذير من العصبية القبلية وتعزيز اللحمة الوطنية

طبية مكة تشخيص اضطراب وراثي نادر مسببا حالة تليّف رئوي معقّدة

طبية مكة تشخيص اضطراب وراثي نادر مسببا حالة تليّف رئوي معقّدة

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode