كاتبة رأي ايمان المغربي
قد يمضي الإنسان سنوات وهو يحمل فكرة يؤمن بها أو قدرة يعرفها في نفسه دون أن يجد المجال الذي يمنحها فرصة حقيقية للظهور ينشغل بواجباته ومسؤولياته وتبقى بعض جوانبه في مساحة خاصة لا يلتفت إليها كثيراً من حوله ثم تأتي مرحلة مختلفة من حياته فتتاح له فرصة لم تكن متوفرة من قبل فيبدأ ما لديه بالخروج إلى النور
ليس كل ما يتأخر ظهوره وليد اللحظة التي ظهر فيها فقد تسبق الإنجاز سنوات من التعلم والملاحظة والمحاولة الصامتة وربما تبدو الخطوة الأولى للآخرين بداية جديدة تماماً بينما يعرف صاحبها كم من الأفكار والتجارب اجتمعت حتى أصبح مستعداً لها
وتختلف الفرص من إنسان إلى آخر فقد يجد أحدهم المجال المناسب في وقت مبكر بينما يحتاج غيره إلى سنوات حتى تتغير ظروفه أو يكتشف طريقاً يناسب قدراته ولا توجد تجربة واحدة تصلح مقياساً لجميع الناس لأن لكل إنسان ظروفه ومسؤولياته واختياراته.
والجميل أن الإنسان لا يظل بالضرورة في الدور الذي اعتاده طوال عمره فقد تتغير اهتماماته وتتسع معارفه ويكتشف في نفسه ميولاً لم تمنحه مسؤولياته السابقة وقتاً كافياً لتنميتها وقد تكون المرحلة الجديدة فرصة لإعادة ترتيب أولوياته والتوجه إلى أعمال تمنحه مساحة للتعبير عما تعلمه وما يستطيع تقديمه
وقد لا تكون السنوات التي انشغل فيها الإنسان بمسؤولياته بعيدة عن تكوين قدراته كما قد يظن البعض فالمواقف اليومية والتجارب التي مر بها وما تعلمه من التعامل مع الآخرين تمنحه معرفة لا تأتي دائماً من الكتب أو الدورات بل تتكون مع الممارسة وتراكم الخبرة وحين يجد المجال الذي يناسبه يستطيع الاستفادة من ذلك الرصيد في تقديم عمل يحمل خبرته ونظرته الخاصة
ولا يعني ذلك أن كل فكرة ستجد طريقها أو أن كل محاولة ستنجح من المرة الأولى فالرغبة تحتاج إلى عمل والتجربة تحتاج إلى صبر والقدرة تحتاج إلى تطوير كما أن بعض المواهب لا يكفي أن يمتلكها الإنسان بل تحتاج إلى بيئة تسمح له بالتجربة والتعلم وتمنحه مساحة كافية لتنميتها
إن قيمة التجارب لا تتوقف عند وقت اكتسابها بل تمتد إلى ما يستطيع الإنسان أن يفعله بها حين تتاح له الفرصة وقد تحمل السنوات التي انشغل فيها الإنسان بواجباته معرفة ونضجاً واستعداداً يساعده على اختيار ما يريد تقديمه بصورة أكثر وعياً.
لذلك لا ينبغي أن نربط ظهور قدرات الإنسان بعمر محدد أو مرحلة واحدة من حياته فقد يتأخر المجال المناسب وتتغير الظروف ويظل لدى الإنسان ما يستحق أن ينميه ويقدمه فليس كل ما يظهر متأخراً قد بدأ متأخراً فبعض الإنجازات تسبقها سنوات طويلة من التعلم والتجربة والاستعداد






