من الميدان يُصنع النجاح.. رؤية وطنية لخدمة الإنسان وبناء الأوطان

 

بقلم الدكتور /

خالد عمر محمد العمودى :جدة:-

إن حب الوطن ليس مجرد مشاعر تختلج في الصدور، بل هو عمل دؤوب، وسعي حثيث نحو البناء والتقويم، ونصح صادق ينبع من الغيرة على مقدرات هذا الوطن الغالي ومنجزاته. ولقد استخلف الله سبحانه وتعالى الإنسان في الأرض لعمارتها بالحق والعدل والمصلحة، حيث يقول جل وعلا في محكم تنزيله:

“هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا”

[هود: 61]

وعمارة الأرض لا تتحقق بالخطط النظرية المودعة في الأدراج، بل بالوقوف الميداني والملامسة المباشرة لاحتياجات المواطن، الذي هو ركيزة التنمية ومحورها الأول في وطننا المعطاء، تحت ظل قيادتنا الرشيدة -أعزها الله وأيدها-.

أولاً: التخطيط الناجح يبدأ من الميدان:

إن وضع الخطط الإستراتيجية على طاولات المكاتب المغلقة وتطبيقها في المدن دون معايشة الواقع ليس بأفضل حالاً من الوقوف المباشر في الميدان؛ فالنزول إلى مواقع العمل في أوقات متباينة -خلال أيام العمل الرسمية وأيام العطل، وفي الصباح والمساء على حد سواء- هو المحك الحقيقي لنجاح أي خطة.

إن الأسلوب الأمثل والمنهج الأقوم لإدارة الخدمات هو جمع المعلومات الصحيحة والدقيقة من الممارسين الفعليين في الميدان؛ فهم الأقدر على تشخيص الخلل ووصف العلاج. وقد أرشدنا رسولنا الكريم ﷺ إلى عظم المسؤولية والرعاية حين قال: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (متفق عليه)

فالمسؤولية تقتضي المعاينة، والمعاينة أساس التدبير السليم.

وان جمع المعلومات الصحيحة من المتمارسين في العمل الميداني”

هذه هي القاعدة الذهبية في علم الإدارة الحديث. فالنزول للميدان في أوقات متفاوتة (الذروة، الإجازات، الصباح، والمساء) هو الذي يكشف العيوب المستترة التي لا تظهر على المخططات الورقية أو الشاشات الثابتة. الاستماع لرجال الميدان (من رجال مرور، ومسؤولي صيانة، وسائقين) هو الكنز الحقيقي لتفادي الأخطاء قبل وقوعها.

ثانياً: هندسة الطرق.. نحو انسيابية تليق بمكانة الوطن:

تتجلى أهمية الرؤية الميدانية في مشاريع البنية التحتية، ونستعرض هنا مثالاً حياً يمس يوميات العابرين على “طريق الحرمين السريع”:

نموذج “كوبري فلسطين”: يقف شاهداً على التصميم الهندسي السلس والمريح والمدروس بعناية، والذي يحقق الانسيابية المرورية المطلوبة. والتساؤل الذي يطرح نفسه بوضوح: لماذا لا تُعمم هذه التجربة الناجحة على بقية الجسور؟

معضلة تداخل المسارات: إن بعض التصاميم الحالية المطبقة -والتي يُطلق عليها مجازاً “الحلاوة”- تتسبب في تداخل مخيف ومربك بين السيارات الخارجة والداخلة في مسافات ضيقة. وإن تطلب علاج هذا الأمر توسعاً أو إزالة لبعض العوائق، فإن دولتنا المباركة -أيدها الله- تسعى دائماً لما يخدم المصلحة العامة، ولن تمانع أبداً في تمويل ودعم أي مشروع يضمن النجاح التام بنسبة 100%.

الحلول المؤقتة وأثرها: إن إغلاق بعض المداخل والمخارج في أوقات الذروة وحصر السيارات في مخرج واحد يزيد من تكدس الحركة، بينما تظهر التجارب الدولية في بلدان ذات كثافات سكانية هائلة -مثل الصين بمليارها ومصر بمئة مليونها- حلولاً هندسية مرنة تتسع للجميع دون اللجوء إلى مثل هذه الأساليب التي تضيق على عابري السبيل.

ثالثاً: الملف الصحي.. بين العطاء السخي وتحدي المواعيد:

إن القطاع الصحي يحظى بدعم وافر وسخي من لدن الدولة -حفظها الله- التي شيدت المستشفيات والمراكز الطبية في كل بقاع الوطن لتأمين رغد العيش وصحة الأبدان. إلا أن المشكلة العظمى التي ما زالت تؤرق المضاجع هي “تباعد المواعيد لشهور طويلة”؛ الأمر الذي قد يتسبب في تفاقم الحالة الصحية للمريض أو وفاته -لا قدر الله- قبل أن يصل إلى موعده المحدد.

وهنا تبرز الفجوة التنفيذية؛ فالقطاع الخاص والمستوصفات الأهلية تفرض أسعاراً تفوق الخيال، لا سيما على المرضى الذين يدفعون نقداً، في ظل التضييق والقيود الصارمة التي تفرضها شركات التأمين الصحي للحد من الفحوصات وأنواع الأدوية المصروفة. أين دور الرقابة الوزارية الفاعلة في جسر هذه الفجوة وتسهيل وصول المريض إلى حقه العلاجي في الوقت المناسب؟

رابعاً: كبار السن.. وقار الشيبة وجميل الوفاء :

لقد خصت الدولة -أعزها الله- كبار السن بـ “بطاقة التميز” (تسهيل)، تقديراً لخدماتهم وإجلالاً لمكانتهم في هذا المجتمع الذي يربطه رباط الدين والرحمة. فكبار السن هم الرعيل الأول الذين تركوا بصماتهم واضحة في مسيرة نماء هذا الوطن. وفي هذا السياق يقول النبي ﷺ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا» (رواه الترمذي)

ولكن، لبالغ الأسف، نلاحظ غياب التفعيل الصحيح والمنشود لهذه البطاقة على أرض الواقع من قبل بعض الجهات الخدمية المختصة. إن إكرام كبار السن وتسهيل إجراءاتهم في المستشفيات والدوائر الحكومية يجب ألا يكون مجرد شعارات، بل ممارسة ميدانية حية يلمسها كل مسن ومسنة تيسيراً وتكريماً لهم.

تلاحم ومسؤولية مشتركة:

إننا جميعاً نؤمن إيماناً راسخاً بالجهود العظيمة والمخلصة التي تبذلها الدولة من أجل راحة المواطن، بل وحتى المقيم على هذه الأرض الطاهرة. وما هذا النقد البنّاء والملاحظات الميدانية إلا مرآة صادقة نرفعها بكل حب وأدب واحترام للجهات المعنية، لعلها تسهم في سد الثغرات وتجويد المخرجات، سائلين المولى عز وجل أن يحفظ وطننا الغالي، ويديم عليه نعمة الأمن والأمان والاستقرار، وأن يوفق ولاة أمرنا لما فيه خير البلاد والعباد. والحمد لله رب العالمين.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

غسق

محمد باجعفر قالت: وأنت مارج من نار تعيد رسمي بنار أبدية تمر في خاطري فتشتعل الجهات وأمد يدي إلى غيابك كأن للحنين جمرًا يمكن الإمساك به ​يا رجلًا كلما حاولت كتابته احترق طرف الورقة ماذا فعلت بصوتي؟ كنت أعرف كيف أقول اسمي، وكيف أعبر الليل وحدي الآن أتوقف عند أول حرف منك وتضيع مني بقية اللغة. ​أحبك بقلق امرأة تخبئ عاصفة في صدرها وتبدو هادئة حد…

ما يتأخر ظهوره لا يعني أنه لم يكن موجوداً

  كاتبة رأي ايمان المغربي قد يمضي الإنسان سنوات وهو يحمل فكرة يؤمن بها أو قدرة يعرفها في نفسه دون أن يجد المجال الذي يمنحها فرصة حقيقية للظهور ينشغل بواجباته ومسؤولياته وتبقى بعض جوانبه في مساحة خاصة لا يلتفت إليها كثيراً من حوله ثم تأتي مرحلة مختلفة من حياته فتتاح له فرصة لم تكن متوفرة من قبل فيبدأ ما لديه بالخروج إلى النور ليس كل ما…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

غسق

غسق

ما يتأخر ظهوره لا يعني أنه لم يكن موجوداً

ما يتأخر ظهوره لا يعني أنه لم يكن موجوداً

من الميدان يُصنع النجاح.. رؤية وطنية لخدمة الإنسان وبناء الأوطان

من الميدان يُصنع النجاح.. رؤية وطنية لخدمة الإنسان وبناء الأوطان

١٤ مدرسة بتعليم الطائف تحصد التميز على مستوى المملكة 

١٤ مدرسة بتعليم الطائف تحصد التميز على مستوى المملكة 

كانت مجرد غواية

كانت مجرد غواية

وكيل محافظة قلوة يشهد استعراض مبادرة تأهيل المدرجات الزراعية لتعزيز التنمية الزراعية بالمنطقة

وكيل محافظة قلوة يشهد استعراض مبادرة تأهيل المدرجات الزراعية لتعزيز التنمية الزراعية بالمنطقة

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode