خماسيات القرآن الكريم

 

بقلم د معدي حسين علي آل حيه

من جمال القرآن الكريم ودقة بنائه وتنوع افتتاحيات سوره، أن يجد المتدبر روابط لطيفة تعينه على تذكر السور واستحضار بداياتها. ومن الطرق التي يتداولها أهل العلم وطلاب القرآن ما يُعرف بـ «الخماسيات السبع»؛ أي جمع خمس سور تشترك في نمط واحد من أنماط افتتاح السور.

وهذه التقسيمات ليست اسمًا شرعيًا أو اصطلاحًا توقيفيًا، وإنما هي وسيلة تعليمية وتذكيرية تساعد على ضبط بدايات السور، وتفتح بابًا للتأمل في تنوع أساليب الخطاب القرآني.

سبع خماسيات تستوقف المتدب

أولًا: خمس سور افتتحت بالحمد

وهي:

الفاتحة، والأنعام، والكهف، وسبأ، وفاطر.

وتبدأ هذه السور بصيغ الحمد والثناء على الله سبحانه وتعالى، ومن اللافت أن هذه السور الخمس تُعرف بأنها مكية.

ثانيًا: خمس سور افتتحت بالتسبيح

وهي:

الحديد، والحشر، والصف، والجمعة، والتغابن.

وتندرج هذه السور في مجموعة السور التي استُهلت بتنزيه الله تعالى وتسبيحه، وهي سور مدنية.

ويظهر في هذا الافتتاح معنى عظيم؛ إذ يبدأ السياق القرآني بتعظيم الله وتنزيهه قبل عرض جملة من التوجيهات والأحكام والقضايا الإيمانية والاجتماعية.

ثالثًا: خمس سور افتتحت بـ «ألر»

وهي

يونس، وهود، ويوسف، وإبراهيم، والحجر.

وتلتقي هذه السور في افتتاحها بالحروف المقطعة: «ألر»، وهي من الحروف المقطعة التي جاءت في أوائل عدد من سور القرآن الكريم، وقد اختلف أهل التفسير في المراد بها، مع التسليم بأن حقيقتها التفصيلية مما استأثر الله تعالى بعلمه

رابعًا: خمس سور افتتحت بالنداء

ومن أمثلتها:

النساء، والمائدة، والحج، والحجرات، والممتحنة.

غير أن الدقة العلمية تقتضي التنبيه إلى أن تصنيف سورة الحج من السور المدنية بإطلاق ليس محل اتفاق؛ فقد اختلف العلماء في مكيّها ومدنيّها، وذهب عدد من أهل العلم إلى أن فيها المكي والمدني.

أما وجه الاشتراك في هذه المجموعة فهو حضور أسلوب النداء في افتتاح السورة، كقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ»، أو «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا».

خامسًا: خمس سور افتتحت بخطاب النبي ﷺ

وهي:

الأحزاب، والطلاق، والتحريم، المزمل، والمدثر.

وتتميز هذه السور بافتتاحها بخطاب مباشر للنبي ﷺ، مثل: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ»، و**«يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ»، و«يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ»**.

وهنا أيضًا ينبغي التنبيه إلى أن وصف المجموعة كلها بأنها مدنية غير دقيق؛ فسورتا المزمل والمدثر مكيتان عند جمهور أهل العلم، مع وجود خلاف في بعض الآيات في بعض السور.

سادسًا: خمس سور افتتحت بالاستفهام

وهي:

الإنسان، والغاشية، والشرح، والفيل، والماعون.

مثل قوله تعالى: «هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ…»، و**«هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ»، و«أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ»، و«أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ…»**.

ولا يصح كذلك إطلاق القول بأن السور الخمس كلها مكية؛ فسورة الإنسان مختلف في مكيّها ومدنيّها، والجمهور على أنها مدنية

سابعًا: خمس سور افتتحت بـ «قل»

وهي:

الجن، والكافرون، والإخلاص، والفلق، والناس.

وهذه من أسهل الخماسيات حفظًا واستحضارًا؛ فجميعها تبدأ بالأمر للنبي ﷺ بالقول، مثل:

«قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ…»

«قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ»

«قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ»

«قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ»

«قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ».

وهي سور مكية.

ليست مجرد معلومات للحف

إن قيمة هذه الخماسيات لا تكمن في عدّ السور وتصنيفها فحسب، وإنما في أنها تمنح طالب القرآن مفاتيح ذهنية تساعده على استحضار بدايات السور، وتربط بين السور المتشابهة في افتتاحها.

كما أن التأمل في افتتاحيات السور يكشف ثراء الأسلوب القرآني؛ فسورة قد تبدأ بالحمد، وأخرى بالتسبيح، وثالثة بحروف مقطعة، ورابعة بنداء، وخامسة بخطاب للنبي ﷺ، وأخرى باستفهام، وأخرى بأمر مباشر بالقول.

وهكذا يتعلم القارئ أن بداية السورة ليست مجرد فاتحة لفظية، بل مدخل إلى موضوعاتها ومقاصدها وأجوائها الإيمانية.

وقفة مع الدقة العلمية

من المهم عند تداول مثل هذه المعلومات القرآنية في وسائل التواصل أن نفرق بين المعلومة الصحيحة وبين الإضافات التي قد تُلحق بها دون توثيق.

فأصل جمع السور في مجموعات متشابهة من حيث الافتتاح يمكن أن يكون وسيلة نافعة للحفظ والمراجعة، لكن وصف هذه المجموعات بأنها «خماسيات قرآنية» لا ينبغي أن يوهم بأنها مصطلح شرعي ثابت، كما ينبغي التحقق من الأحكام المتعلقة بمكي السور ومدنيها؛ لأن بعض السور وقع فيها خلاف معتبر بين أهل العلم.

وهذه المراجعة لا تقلل من جمال الفكرة، بل تزيدها قيمة؛ لأن خدمة القرآن الكريم تقوم على جمال العرض ودقة المعلومة معًا.

خاتمة

ويبقى القرآن الكريم كتابًا لا تنقضي عجائبه، وكلما أقبل عليه القارئ بقلب حاضر وعقل متدبر، اكتشف من جمال نظمه وترابط سوره وآياته ما يزيده إيمانًا ومحبةً لكتاب الله.

ومن أجمل ما يمكن أن يفعله المسلم أن يجعل مثل هذه المفاتيح وسائل تعينه على حفظ القرآن، ومراجعة سوره، وتدبر معانيه، والعمل به.

نسأل الله أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وأن يرزقنا حفظه وتلاوته آناء الليل وأطراف النهار، وتدبر آياته والعمل به، وأن يجعله حجة لنا لا علينا.

فكل معلومة تقود إلى القرآن، وكل طريقة تعين على حفظه وتدبره، هي خطوة مباركة في طريق صحبة كتاب الله.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

حين تحترق المشاعر بالبرودة

عبدالله شراحيلي ابو يحى كلُّ شيءٍ يحترق بالحرارة… إلا المشاعر، فإنها تحترق بالبرودة. هناك أشياء في الحياة لا تحتاج إلى نارٍ كي تحترق، يكفيها أن تُترك طويلًا في برد التجاهل، وأن تُسقى بالصمت بدل الكلمات، وأن تنتظر يدًا حانية فلا تجدها. المشاعر لا تموت غالبًا بسبب موقفٍ واحد، بل تموت بالتقسيط. تموت حين يصبح السؤال عنك عادةً مؤجلة، وحين تتحول الرسائل التي كانت تُكتب بشوق إلى…

الجارية والمثقف

  بقلم /خالد عمر مرعي كان يتحدث معي احد الأصدقاء المثقفين الأكاديميين، وفي اثناء الحديث ذكر لي قصة جارته المعلمة ووصفها بالجارية كونها سمراء البشرة، استغربت من حديثة ومن الصفة او اللقب الذي وصفها به، انحن مازلنا في عصر الجواري؟! قلت له ماذا تقصد ولماذا نعتها واطلقت عليها هذا اللقب او الصفة؟ تلعثم قليلاً وقال ياصديقي لا (تدقق) نحن نطلق على السمراء جارية، سكتُ قليلاً، وحاولت…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

حين تحترق المشاعر بالبرودة

حين تحترق المشاعر بالبرودة

الجارية والمثقف

الجارية والمثقف

خماسيات القرآن الكريم

خماسيات القرآن الكريم

(تعفن الدماغ عندما تسرقنا الشاشات من أنفسنا) ورشة توعوية بمكتب مدينتي النفل

(تعفن الدماغ عندما تسرقنا الشاشات من أنفسنا)  ورشة توعوية بمكتب مدينتي النفل

الشهري يحصد المركز الأول عالميًا في مسابقة الملك محمد السادس

الشهري يحصد المركز الأول عالميًا في مسابقة الملك محمد السادس

عندما اصبح ((ابو وجهين)) عملة نادرة في زمان ابو 100 وجه.

عندما اصبح ((ابو وجهين)) عملة نادرة في زمان ابو 100 وجه.

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode