عندما تنتصر القلوب على الفراق

ا. عبدالله شراحيلي

ليس الفراق دائمًا نهاية الحكاية، فبعض الغياب لا يطفئ المحبة، بل يكشف معدنها الحقيقي، وبعض المسافات لا تُبعد القلوب، وإنما تمنحها فرصة لتدرك كم كان القرب نعمة، وكم كان حضور من نحب جزءًا من تفاصيل الحياة.

هناك أناسٌ نعجز عن نسيانهم، لا لأننا عاجزون عن المضيّ قدمًا، ولكن لأنهم تركوا في أرواحنا أثرًا لا تمحوه الأيام. مرّوا في حياتنا كنسمةٍ عطرة، ثم مضوا، وبقي عطرهم عالقًا في الذاكرة، كلما ظننا أننا تجاوزنا الغياب أعادتنا التفاصيل الصغيرة إليهم.

فالقلب لا يقيس المسافات بالكيلومترات، بل بما تحمله الروح من شوق.

كم من حبيبٍ غاب عن العين، لكنه ظل حاضرًا في الدعاء! وكم من بعيدٍ كان أقرب إلى القلب من قريبٍ لم يعرف قيمة الود! فالقرب الحقيقي ليس أن تجلس بجوار من تحب، وإنما أن تشعر أنه يسكنك، وأن صوته ما زال قادرًا على طمأنة روحك، وأن ذكراه لا تأتي لتؤلمك فحسب، بل لتذكّرك بأن في الحياة لحظاتٍ تستحق أن تُحفظ إلى الأبد.

وحين تشتد وطأة الفراق، تتغير الأشياء من حولنا؛ يصبح المكان الذي جمعنا بمن نحب أكثر دفئًا في الذاكرة، وتصبح الأغنية التي سمعناها معًا رسالةً قديمة، وتتحول الصور إلى نوافذ نطل منها على زمنٍ جميل لا نملك العودة إليه، لكننا نملك الاحتفاظ بجماله.

ومع ذلك، لا ينبغي للإنسان أن يجعل من الفراق سجنًا دائمًا. فالحب الناضج لا يعني أن نتوقف عن الحياة حين يغيب من نحب، بل أن نحمل محبتهم معنا ونواصل الطريق بقلوبٍ أكثر نضجًا وامتنانًا.

إن أجمل ما في القلوب الوفية أنها لا تحوّل الغياب إلى كراهية، ولا الفراق إلى خصومة، ولا الذكريات إلى ندم. تترك للأشياء الجميلة مكانها، وتقول في صمت: لقد أحببتك بصدق، ولذلك أتمنى لك الخير، حتى وإن لم تعد إلى جواري.

وربما يكون أعظم انتصار للقلوب على الفراق أن نصل يومًا إلى مرحلةٍ نتذكر فيها من أحببنا بابتسامة لا بدمعة، وبامتنان لا بحسرة؛ أن نشكر الحياة لأنها منحتنا ذات يوم إنسانًا جعل أيامنا أجمل، حتى وإن اختارت لنا بعد ذلك طريقًا مختلفًا.

فالفراق قد يباعد بين خطوتين، لكنه لا يستطيع دائمًا أن يباعد بين قلبين صدقا في المحبة.

وقد تتغير الأيام، وتتبدل الأماكن، وتطول المسافات، لكن بعض الأشخاص يظلون في القلب كما كانوا؛ لا يغادرون الذاكرة، ولا تسقط أسماؤهم من دفاتر الروح.

وعندما تنتصر القلوب على الفراق، لا يكون الانتصار بعودة الغائب دائمًا، بل بأن يبقى الحب جميلًا رغم الغياب، وتبقى الذكرى طاهرة رغم الألم، ويبقى القلب قادرًا على أن يحب الحياة من جديد.

فليس كل من غاب انتهى، وليس كل من ابتعد نُسي، وليس كل فراقٍ موتًا للمحبة؛ فهناك محبةٌ تولد من الفراق أكثر قوة، وتكبر في المسافة أكثر نضجًا، وتظل في القلب شاهدًا على أن بعض المشاعر الصادقة لا تهزمها الأيام.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

حين تأتي النصيحة من قلبٍ يعرفنا

  بقلم: مزنة بنت سعيد البلوشية أحيانًا نبحث عن صوتٍ بعيد، نمدّ إليه أسئلتنا وحيرتنا، لأننا نظن أن المسافة تمنح الكلمات شيئًا من الحياد، وأن الغريب حين ينصحنا لا يحمل في حديثه شيئًا من عتاب الأمس، ولا يفتح دفاتر المواقف القديمة. فنصغي إليه بهدوء، ونستقبل كلماته دون أن ندافع عن أنفسنا، وكأننا أمام مرآة لا تعرف عنا سوى ما نخبرها به. أما القريب… فله حكاية أخرى.…

قطرة أمل غمرتني برؤياه

دكتورة لبني يونس صوفية المشاعر لأول مرة أدرك أنني كائن حي لي قلب ينبض يحق له الحياة ، وافيق من حزن طال مداه غسلتني رؤياه من هموم السنين، ومحَت عني غبار الأيام ، وطهرتني من الداخل كما يُطهر الغيم وجه الأرض العطشى. خلق ليهدينا الأمان قبل أن يهديني الحب والحنان . الصلاة عليه زادنا وزوادنا و راحة للبال ، وطمأنينة لارواح شغلتها الهموم وارهقتها الايام ،…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

جمعية أبطال التوحد تنظم حملة توعوية لتعزيز الاكتشاف المبكر

جمعية أبطال التوحد تنظم حملة توعوية لتعزيز الاكتشاف المبكر

عندما تنتصر القلوب على الفراق

عندما تنتصر القلوب على الفراق

حين تأتي النصيحة من قلبٍ يعرفنا

حين تأتي النصيحة من قلبٍ يعرفنا

«تعليم الطائف » يرحب بعودة الكوادر التعليمية بكم نبدأ قصة طموح

«تعليم الطائف » يرحب بعودة الكوادر التعليمية  بكم نبدأ قصة طموح

الحذيفي في خطبة الجمعة بالمسجد النبوي :.مذكرًا بأن تقوى الله هي السبيل إلى السعادة الكبرى

الحذيفي في خطبة الجمعة بالمسجد النبوي :.مذكرًا بأن تقوى الله هي السبيل إلى السعادة الكبرى

قطرة أمل غمرتني برؤياه

قطرة أمل غمرتني برؤياه

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode