ا. عبد الله شراحيلي
ليس الصباحُ مجرّدَ وقتٍ يعبر بين الليل والنهار، بل هو رسالةٌ جديدةٌ تصل إلى أرواحنا كلَّ يوم، تقول لنا في هدوءٍ: ما زالت في الحياة فسحةٌ للأمل، وما زالت للقلوب قدرةٌ على أن تبدأ من جديد.
حين تتسلّل خيوطُ الشمس الأولى من بين ستائر الليل، ويشرق الضوء على مهلٍ كأنه وعدٌ جميل، تستيقظ الأشياء من سباتها؛ تتلألأ قطرات الندى على أوراق الزهور، وتتعانق الأنسام مع عبيرها، ويعلو صوت العصافير في الفضاء كأنها جوقةٌ سماويةٌ تعلن ميلاد يومٍ جديد.
وفي ذلك الصباح الندي، تتسلّل الأشواق إلى القلب دون استئذان. نتذكّر من نحب، أولئك الذين تركوا في أرواحنا أثرًا لا تمحوه المسافات، ولا تغيّره الأيام. وربما كان أجمل ما في الشوق أنه يجعل الغائب حاضرًا في القلب، ويمنح الذاكرة نافذةً نطل منها على لحظاتٍ عزيزةٍ لا تزال تنبض في داخلنا.
ما أجمل أن يبدأ الإنسان يومه بقلبٍ متفائل! أن ينظر إلى الشمس لا باعتبارها ضوءًا في السماء فحسب، بل باعتبارها درسًا بليغًا في الحياة؛ فبعد كل عتمةٍ إشراق، وبعد كل تعبٍ راحة، وبعد كل انكسارٍ فرصةٌ للنهوض.
إن التفاؤل ليس أن نتجاهل صعوبة الطريق، وإنما أن نمضي فيه ونحن نؤمن بأن نهايته تستحق الصبر. وليس الأمل كلمةً نرددها حين تضيق بنا الحياة، بل هو قوةٌ خفيةٌ تجعلنا نفتح النوافذ كل صباح، ونقول للغد: ما زلتُ أؤمن بك.
ولعلّ صوت العصافير في الصباح أبلغ من كثيرٍ من الكلمات؛ فهي لا تسأل عن الأمس، ولا تخشى الغد، وإنما تغرّد للحظة التي تعيشها، وكأنها تقول لنا: عش يومك جميلًا، وامنح قلبك فرصةً للفرح، فالحياة أقصر من أن نملأها بالحزن.
أيها الصباح، خذ إلى من نحب سلامنا، وقل لهم إن في القلب أشواقًا لا تنام، وإن بين ضلوعنا أمنياتٍ ما زالت تنتظر شروقها. وعلّمنا أن نرى الجمال في التفاصيل الصغيرة؛ في فنجان قهوة، وفي نسمةٍ عابرة، وفي دعاءٍ صادق، وفي ابتسامة إنسان، وفي طائرٍ يغرّد فوق غصنٍ أخضر.
فالصباح الجميل لا يغيّر العالم من حولنا، لكنه يغيّر الطريقة التي نراه بها؛ وحين يتغيّر ما في داخلنا، تصبح الحياة أكثر رحابة، وتصبح الأيام أقل قسوة، وتصبح الأمنيات أقرب إلى القلب.
فلنستقبل هذا الصباح بقلوبٍ لا تعرف اليأس، وأرواحٍ تفيض بالأمل، وأعينٍ ترى النور حتى في آخر الطريق. ولنجعل من كل إشراقةٍ بدايةً جديدة، ومن كل شوقٍ دعاءً، ومن كل أمنيةٍ جناحًا يحملنا نحو غدٍ أجمل.
فما دام في السماء شمسٌ تشرق، وفي الأغصان طيرٌ يغرد، وفي القلب نبضٌ يحب، فإن للحياة دائمًا صباحًا يستحق أن ننتظره.







