بقلم: الدكتور معدي آل حيه
في إطار توجيه وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد لخطباء الجوامع بالحديث عن نعمة الماء وأهمية المحافظة عليها وترشيد استهلاكها، تبرز الحاجة إلى استحضار هذه النعمة العظيمة في حياة الإنسان، ليس باعتبارها موردًا من موارد الحياة فحسب، بل باعتبارها آية من آيات الله، ونعمة تستوجب الشكر، وأمانة تستوجب المحافظة عليها.
فالله سبحانه وتعالى يقول:
﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: 34].
ومن أعظم هذه النعم وأظهرها نعمة الماء، التي ارتبطت بها الحياة ارتباطًا وثيقًا، قال تعالى:
﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: 30].
فالماء هبة من الله، وسبب من أسباب استمرار الحياة، وبه تحيا الأرض بعد موتها، وينبت الزرع، وتشرب الأنعام، ويرتوي الإنسان، وتستقيم شؤون حياته اليومية.
الماء.. نعمة تتجاوز حدود الشرب
حين يتأمل الإنسان في القرآن الكريم يجد أن الماء حاضر في مواضع كثيرة، مرتبطًا بالحياة والرزق والطهارة والزراعة والإنبات، يقول سبحانه:
﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: 48-49].
وقال تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [النحل: 10-11].
فالماء ليس مجرد شراب؛ بل هو أساس الزراعة، والغذاء، والنظافة، والصناعة، والصحة، والعمران، والتنمية، وبدونه تتعطل جوانب واسعة من حياة الإنسان.
وقد ذكّر الله عباده بهذه النعمة في قوله تعالى:
﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: 68-70].
وهنا يتجلى معنى عظيم: الماء نعمة، والشكر عليها لا يكون باللسان وحده، وإنما يكون كذلك بحسن استعمالها والمحافظة عليها وعدم الإسراف فيها
الماء من أعظم نعم الله على الإنسان
من يتأمل خلق الإنسان يجد أن الماء مرتبط بأصل خلقه، قال تعالى:
﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ﴾ [المرسلات: 20].
وقال سبحانه:
﴿خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: 6].
كما قال تعالى:
﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ﴾ [النور: 45].
وإذا كان الماء بهذه المنزلة في حياة الإنسان والكائنات، فإن المحافظة عليه تصبح مسؤولية دينية وأخلاقية ووطنية، خصوصًا مع أهمية الأمن المائي في حياة المجتمعات والدول.
وقد عبّر القرآن عن شدة حاجة الإنسان إلى الماء بقوله تعالى:
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ﴾ [الملك: 30].
إنها آية تدعو الإنسان إلى ألا يألف النعمة حتى ينساها، وألا يعتاد توفر الماء حتى يستهين بقيمته.
الإسلام دين يحارب الإسراف
جاء الإسلام بمنهج واضح في التعامل مع النعم، ومن ذلك النهي عن الإسراف، قال تعالى:
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31].
وكان النبي ﷺ يقتصد في استعمال الماء، فثبت في الصحيح أنه كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع.
كما ورد النهي عن الإسراف في الوضوء، وجاءت السنة بالتوجيه إلى الاعتدال وعدم تجاوز الحاجة.
أما العبارة المشهورة: «لا تسرف ولو كنت على نهر جار»، فقد وردت من طرق يُستشهد بها في هذا الباب، لكن لا يصح الجزم بثبوتها عن النبي ﷺ على أنها حديث صحيح؛ ولذلك فالأولى الاستدلال على النهي عن الإسراف بآية الأعراف وبالأحاديث الصحيحة الثابتة في اقتصاد النبي ﷺ في الماء.
وهذا يبين أن ترشيد الماء ليس فكرة حديثة فرضتها الظروف، وإنما هو معنى أصيل في الشريعة الإسلامية التي جاءت بحفظ النعم ومنع الإسراف.
سقي الماء.. باب عظيم من أبواب الأجر
وللماء منزلة أخرى في الإسلام، فهو باب من أبواب الصدقة والإحسان.
وقد سئل النبي ﷺ عن أفضل الصدقة، فجاء في الحديث: «أفضل الصدقة سقي الماء»، وهو حديث حسنه أهل العلم.
كما أخبر النبي ﷺ عن الرجل الذي سقى كلبًا عطشان، فشكر الله له وغفر له، وقال ﷺ: «في كل كبد رطبة أجر».
وفي المقابل جاء التحذير من منع الماء عن المحتاج إليه، مما يدل على أن الإسلام لا ينظر إلى الماء باعتباره موردًا ماديًا فحسب، بل يجعله ميدانًا للإحسان والرحمة والتكافل.
ومن هنا فإن توفير الماء للمحتاج، والمحافظة عليه، وعدم إهداره، وتعليم الأبناء احترام هذه النعمة، كلها صور من المسؤولية والإحسان.
لا تلوث الماء.. فالنعمة أمانة
وكما نهى الإسلام عن الإسراف، نهى عن كل ما يضر بالماء أو يلوثه.
فقد قال النبي ﷺ:
«لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه».
وهذا التوجيه النبوي يعكس عناية الإسلام بنظافة مصادر المياه وحماية الناس من الضرر.
وفي زماننا تتسع المسؤولية لتشمل عدم إلقاء المخلفات في مصادر المياه، وعدم تلويث الأودية والبحار والآبار، والمحافظة على مرافق المياه العامة، وعدم العبث بالصنابير أو تركها مفتوحة، لأن المال والماء في المرافق العامة حق مشترك، وإهداره اعتداء على مصلحة المجتمع.
المسؤولية تبدأ من الفر
إن قضية ترشيد الماء ليست مسؤولية جهة بعينها، ولا تنحصر في المؤسسات المختصة، بل تبدأ من الفرد داخل منزله ومدرسته ومسجده ومكان عمله.
فالوالد مسؤول عن تعليم أبنائه، والمعلم مسؤول عن توعية طلابه، والخطيب مسؤول عن تذكير الناس، والمواطن مسؤول عن سلوكه اليومي.
وهنا يحضر قول النبي ﷺ:
«كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته».
ومن صور المسؤولية أن يحرص الإنسان على إغلاق الصنبور بعد استخدامه، وإصلاح التسربات، والاقتصاد في الوضوء والاستحمام، وعدم استخدام الماء إلا بقدر الحاجة، وتعليم الأبناء أن الإسراف في الماء ليس دليلًا على الوفرة، بل قد يكون صورة من صور عدم تقدير النعشعا
شكر الماء.. سلوك قبل أن يكون شعارً
إن توجيه وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد للخطباء بالحديث عن نعمة الماء وترشيد استهلاكه يمثل فرصة تربوية مهمة لإعادة هذا المعنى إل حياة الناس.
فالمسجد لا يقتصر دوره على أداء الصلاة، وإنما يسهم في بناء الوعي، وتصحيح السلوك، وربط حياة المسلم اليومية بقيم الإسلام وتعاليمه.
وإذا خرج الإنسان من المسجد وهو أكثر حرصًا على قطرة ماء، وأكثر شعورًا بقيمة النعمة، وأكثر وعيًا بمسؤوليته تجاه وطنه ومجتمعه، فقد تحولت الموعظة إلى سلوك عملي.
إن الماء هبة من الله، وسر من أسرار الحياة، وثروة لا تستقيم حياة الإنسان بدونها، والمحافظة عليه ليست ترفًا، وإنما مسؤولية.
فلنشكر الله على نعمة الماء، ولنحسن استخدامها، ولنعلّم أبناءنا المحافظة عليها، ولنجعل من ترشيدها خلقًا وسلوكًا يوميًا.
قال تعالى:
﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾.
ومن شكر النعمة أن نحفظها، ومن حفظها ألا نسرف فيها، ومن شكر الله عليها أن نستخدمها فيما ينفعنا وينفع مجتمعنا.
اللهم أدم علينا نعمك، واحفظ علينا أمننا وإيماننا، وبارك لنا في مياهنا ومواردنا، ووفقنا لشكر نعمك والمحافظة عليها، واجعلنا من عبادك الشاكرين.






