محمد الرياني
لم أكن أميز أيام الأسبوع ، ألهو صغيرًا بملابس الطفولة الأنيقة ومن فوقها شعر رأسي الأسود الكثيف الذي يشبه المظلة ، وكنت أشعر بالزهو والفخر وأنا أرى تناسق حركاتي مع حركات شعري عندما أركض والهواء يصنع مني حكاية .
اعتدت في صباح كل جمعة أن أذهب إلى دار أختي الكبرى لأحتسي عندها لبنًا من بقرتها الحمراء التي تربض قريبًا منها ، وكنت أنظر إلى هذه البقرة على أنها مخلوق عجيب وكيف أنها تفتح ضرعها لتخرج منه حليبًا تضعه أختي في جوف حبة قرع يابس وداخله شيء أبيض لذيذ وتخضه خضًّا .
أجلس في الظل وأختي تهز الحليب وكأنها تحرك طفلًا كي ينام بينما اللبن يستيقظ من التحريك ليخرج لبنًا لذيذًا في طعمه وبجوارها البقرة تتناول علفًا أخضر نبتَ من ماء السحاب.
ناولتني أختي اللبن في إناء خشبي أسود اللون والنسيم الجنوبي يجمعنا ويحرك مشاعرنا ومعها خصلات شعر رأسي .
لم أكد أصل إلى شُرب النصف حتى دخلتْ علينا امرأة أخرى وعلى شفتي اللبن فجلستْ على طرف السرير وهي تنظر إلى قسمات وجهي والبياض الذي يغطي فمي قائلة : الجمعة الجامعة والدعوة السامعة ، أكملتُ شربَ اللبن وتركتُ الظل وأختي وتلك المرأة العجيبة وحملتُ معي عبارتها: الجمعة الجامعة والدعوة السامعة .
ماتت تلك المرأة وماتت البقرة الحمراء وبقيتْ كلمتها حية إلى الآن لتكبر معي كل يوم جمعة وبقيتُ أجلس كل جمعة في الظل أرسم على أرضه بخيالي إناء اللبن وملامح السيدة العجوز التي قدمتْ لي درسًا في أدب الجمعة وفنًّا من فنون اللغة على شاكلة جعل المفعول بصيغة الفاعل عندما تقول وهي أمية : الجمعة الجامعة والدعوة السامعة .







