كيف تُسقط التراكمات النفسية صاحبها في الفخ؟

ا. محمد باجعفر

​في عالم يتسارع فيه تداول الكلمات، تبرز ظاهرة اجتماعية ونفسية شديدة الخطورة لا تتعلق بما يُقال بالفعل، بل بما يُفهم ويُتأول. إنها آفة “التسرع في الحكم” الناتجة عن التراكمات النفسية والفهم القاصر، والتي تحول العبارات العابرة إلى أزمات حادة، وتدفع بصاحبها من مربع الخطأ الفكري إلى طائلة القانون والمساءلة الشرعية.

​العدسة المشوهة والإسقاط النفسي

​يرى خبراء علم النفس أن الإنسان الذي يحمل في داخله رواسب غير معالجة من الشك أو الخصومات القديمة، لا يقرأ الكلمات بحياد؛ بل يمررها عبر “عدسة مشوهة” تُسقط مشاعره الدفينة على مقاصد الآخرين. في هذا السياق، يصبح استجلاب المعاني وفق الهوى الشخصي آلية تفكير خاطئة تجعل الفرد يفترض سوء النية مبدئياً، ويقفز إلى استنتاجات وتأويلات لا وجود لها إلا في مخيلته.

​الانزلاق نحو المساءلة القانونية

​إن الخطورة الحقيقية لهذا النمط من التفكير لا تقف عند حدود الجفاف العاطفي وتفكك العلاقات، بل تتجاوز ذلك لتصطدم بشرعٍ حكيم وقوانين رادعة. فعندما يتحول الظن الخاطئ إلى اتهام صريح، وُيطلق اللسان أو القلم بأوصاف تمس كرامة الآخرين وأعراضهم، يدخل الفرد طائعاً في منحدرات قانونية خطرة.

​ف الأنظمة العدلية لا تعتد بالأوهام والتأويلات الشخصية، بل تزن الألفاظ بموازين العدل والتثبت. والتعدي على أعراض الناس بناءً على “سوء فهم” قد يجر صاحبه فوراً إلى عقوبات السجن، أو تطبيق حد القذف، جزاءً وفاقاً للتسرع والخوض في المحظور.

​ثقافة التثبت والسلامة

​إن حماية المجتمع من هذا المنزلق تبدأ من الوعي الذاتي وفصل المشاعر الشخصية عن قراءة الواقع. وتتطلب السلامة الفكرية والاجتماعية التمسك بأصل البراءة، وحمل كلام الآخرين على أحسن المحامل، وإعمال منهجية “التثبت” والمواجهة الصريحة قبل اتخاذ أي موقف أو إطلاق أي حكم. فالكلمة إذا خرجت لم تعد ملكاً لصاحبها، والحكمة تقتضي ضبط الفهم قبل فوات الأوان.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

الإحساس لغة القلوب

عبدالله شراحيلي ليست كل الأشياء تُقال بالكلمات؛ فهناك مشاعر تعجز الحروف عن حملها، وتستطيع نظرة واحدة أن تقول ما لا تقوله صفحات من الكلام. ذلك هو الإحساس؛ اللغة التي تتحدث بها القلوب حين يصمت اللسان. قد يبتسم لك أحدهم، فتشعر أن خلف ابتسامته حكاية، وقد يقترب منك شخص دون أن يسأل عنك، فتجد في حضوره طمأنينة لا تعرف مصدرها. فبعض القلوب لا تحتاج إلى شرح؛ يكفيها…

بندر جازان في قلب التاريخ: وثيقة سنة 966هـ تكشف حضور آل البكري الزيلعي العقيلي ومسجد السادة في أحداث المنطقة

  بقلم: أحمد علي بكري تكشف الوثيقة التاريخية التي بين أيدينا جانبًا مهمًا من تاريخ بندر جازان في القرن العاشر الهجري، وتحديدًا في سنة 966هـ، وتقدم شاهدًا واضحًا على أن البندر لم يكن موضعًا هامشيًا أو معزولًا عن الأحداث التي كانت تعصف بالمنطقة، بل كان حاضرًا في قلب التحولات السياسية والعسكرية والاجتماعية التي شهدتها جازان وتهامة واليمن في تلك الحقبة. وتروي الوثيقة أن الأمير عيسى بن…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

الإتحاد السعودي للتجديف يوقع مذكرة تعاون مع الإتحاد المصري للتجديف

الإتحاد السعودي للتجديف يوقع مذكرة تعاون مع الإتحاد المصري للتجديف

الإحساس لغة القلوب

الإحساس لغة القلوب

السفير خالد المنزلاوي لى أن توان لبحث التعاون العربي الفيتنامي

السفير خالد المنزلاوي لى أن توان لبحث التعاون العربي الفيتنامي

بندر جازان في قلب التاريخ: وثيقة سنة 966هـ تكشف حضور آل البكري الزيلعي العقيلي ومسجد السادة في أحداث المنطقة

بندر جازان في قلب التاريخ: وثيقة سنة 966هـ تكشف حضور آل البكري الزيلعي العقيلي ومسجد السادة في أحداث المنطقة

“متمم” يشارك في إقامة لقاء توعوي بمركز الملك سلمان الاجتماعي

“متمم” يشارك في إقامة لقاء توعوي بمركز الملك سلمان الاجتماعي

منتدى الصناعة السعودي بجدة يدشن مرحلة جديدة للقطاع الصناعي

منتدى الصناعة السعودي بجدة يدشن مرحلة جديدة للقطاع الصناعي

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode