بقلم: أحمد علي بكري
تكشف الوثيقة التاريخية التي بين أيدينا جانبًا مهمًا من تاريخ بندر جازان في القرن العاشر الهجري، وتحديدًا في سنة 966هـ، وتقدم شاهدًا واضحًا على أن البندر لم يكن موضعًا هامشيًا أو معزولًا عن الأحداث التي كانت تعصف بالمنطقة، بل كان حاضرًا في قلب التحولات السياسية والعسكرية والاجتماعية التي شهدتها جازان وتهامة واليمن في تلك الحقبة.
وتروي الوثيقة أن الأمير عيسى بن المهدي القطعي، الذي كان مقره في أبي عريش، كرر غاراته على بندر جازان، فقتل عددًا من أهل البندر، ونهب أموالًا جزيلة، ثم دخل بيت الشيخ عقيل بن أحمد الزيلعي وأخذ ما وجده فيه من الأموال، قبل أن يُحرق البندر ويتجه بعد ذلك إلى قرية التياحين، حيث أقام نحو خمسة عشر يومًا أو أكثر، ثم واصل مسيره باتجاه قلعة الدحن.
وهذه الإشارة التاريخية بالغة الأهمية؛ لأنها لا تذكر بندر جازان باعتباره اسمًا جغرافيًا فحسب، بل تنقل لنا مشهدًا من الحياة الداخلية للمدينة، وتذكر أحد بيوتها وأعيانها بالاسم، وهو الشيخ عقيل بن أحمد الزيلعي، بما يؤكد حضور البيت الزيلعي العقيلي في بندر جازان في تلك الفترة.
والشيخ عقيل بن أحمد الزيلعي هو ابن مباشر للشريف صفي الدين أحمد بن عثمان بن أبي بكر بن أحمد بن عمر الزيلعي العقيلي، المعروف بـ «صاحب المسواك»، أحد أعلام البيت الزيلعي العقيلي المرتبطين بتاريخ بندر جازان. وقد ارتبط اسم صاحب المسواك بالمدينة ارتباطًا وثيقًا، وكان له فيها مقام ومنشأة دينية وعلمية عُرفت لاحقًا باسم مسجد السادة، الذي أصبح أحد المعالم المرتبطة بتاريخ الأسرة الزيلعية العَقيلية في بندر جازان.
ومن هنا تكتسب الوثيقة أهمية خاصة في تاريخ آل حمق البكري الزيلعي العقيلي؛ إذ إن ارتباط الأسرة بمسجد السادة، وبالبيت الزيلعي العقيلي الذي أسسه وشيده صاحبه، يمثل جزءًا من حضورها التاريخي في بندر جازان. فمسجد السادة لم يكن مجرد مسجد قائم في المدينة، بل ارتبط بالبيت الذي ينحدر منه صاحب المسواك، ثم بأبنائه وذريته، وكان موضعًا متصلًا بتاريخ الأسرة وحضورها العلمي والاجتماعي في البندر.
وتأتي الإشارة إلى بيت عقيل بن أحمد في وثيقة سنة 966هـ لتضيف شاهدًا مهمًا إلى هذا التاريخ؛ فقد كان عقيل بن أحمد الزيلعي يعيش في بندر جازان، وكان بيته معروفًا إلى درجة أن القوة المهاجمة دخلته ونهبت ما فيه من الأموال أثناء الغارة. وهذا يعني أن وجود الأسرة الزيلعية العَقيلية في البندر لم يكن وجودًا عابرًا، وإنما كان وجودًا مستقرًا داخل النسيج الاجتماعي للمدينة.
ويرتبط تاريخ آل حمق البكري الزيلعي العقيلي بهذا الإرث الزيلعي العقيلي من خلال نسب الأسرة إلى هذا البيت، وصولًا إلى صفي الدين أحمد بن عثمان الزيلعي العقيلي، صاحب المسواك، الذي ارتبط اسمه ببندر جازان ومسجد السادة. ولذلك فإن ذكر عقيل بن أحمد في هذه الوثيقة يمثل حلقة شديدة الأهمية في السجل التاريخي للبيت الذي تتصل به أسرة آل حمق البكري الزيلعي العقيلي، ويكشف استمرار حضور هذا البيت في البندر خلال القرن العاشر الهجري.
واللافت في الوثيقة أن الغارة لم تكن حادثة محدودة الأثر، فقد تعرض البندر للقتل والنهب والإحراق، ثم تحرك الأمير عيسى بقواته في اتجاه القلاع والطرق العسكرية، قبل أن يلتقي بوالي جازان الطاشفين ومعه عدد كبير من العساكر في موضع يسمى حيدان. ودارت المعركة بين الطرفين، وانتهت بهزيمة أصحاب الأمير عيسى ومقتل عدد من أصحابه، كما استُعيدت الأموال التي كان قد نهبها من أهل البندر.
وهذا التفصيل يعطينا صورة واضحة عن موقع بندر جازان في شبكة الأحداث العسكرية آنذاك؛ فالهجوم عليه، ثم ملاحقة القوة المهاجمة، ثم استعادة الأموال المنهوبة من أهله، كلها وقائع تؤكد أن البندر كان داخل دائرة الاهتمام العسكري والسياسي للقوى المتصارعة في المنطقة.
كما تكشف الوثيقة عن طبيعة العلاقة بين بندر جازان والمراكز السياسية المحيطة به؛ فبعد وصول الأمير عيسى إلى قلعة الدحن وعودة الطاشفين إلى أبي عريش، رُفع الأمر إلى الباشا أزدمير، ثم جاء الجواب بالعفو عن الأمير عيسى وقبول الصلح الموجَّه من الأمير المطهر بن الإمام شرف الدين صاحب صعدة. وهذا يدل على أن أحداث بندر جازان لم تكن منعزلة عن الصراعات والتحالفات والصلات السياسية الأوسع التي كانت تحكم المنطقة في القرن العاشر الهجري.
إن قراءة هذه الوثيقة في ضوء تاريخ بندر جازان تكشف لنا مدينة حاضرة في قلب الحركة التاريخية، لها أهلها وبيوتها وأعيانها، ولها طرقها التجارية وموقعها البحري والعسكري، وكانت تتأثر مباشرة بالصراعات التي دارت بين القوى المتنافسة في جازان وتهامة واليمن. كما أن ذكر بيت الشيخ عقيل بن أحمد الزيلعي يجعل الوثيقة ذات قيمة خاصة بالنسبة إلى تاريخ البيت الزيلعي العقيلي في المدينة.
ويأتي مسجد السادة في مقدمة المعالم التي تختصر هذا الامتداد التاريخي؛ فقد بناه صاحب المسواك، وارتبط به وبذريته وبالبيت الزيلعي العقيلي في بندر جازان، ثم ارتبطت به أسرة آل حمق البكري الزيلعي العقيلي ارتباطًا تاريخيًا واجتماعيًا، فكان المسجد شاهدًا على وجود الأسرة وامتدادها في المدينة، وعلى المكانة التي احتلها هذا البيت في الحياة الدينية والاجتماعية للبندر.
ومن ثم فإن الوثيقة المؤرخة بسنة 966هـ تضع أمامنا صورة تاريخية مهمة: صاحب المسواك توفي سنة 952هـ، ثم يأتي ذكر ابنه المباشر الشيخ عقيل بن أحمد الزيلعي في بندر جازان سنة 966هـ، أي بعد وفاة والده بأربعة عشر عامًا فقط. وهذا التسلسل الزمني يضعنا أمام جيل متصل من البيت الزيلعي العقيلي كان حاضرًا في البندر، وكانت له فيه دار ومكانة وارتباط بالمجتمع المحلي.
ولذلك فإن تاريخ آل حمق البكري الزيلعي العقيلي لا ينفصل عن تاريخ بندر جازان، ولا عن تاريخ البيت الزيلعي العقيلي الذي ارتبط بالمدينة منذ عهد صاحب المسواك. فالمسجد الذي بناه صاحب المسواك، ووجود ابنه عقيل بن أحمد في البندر، ثم استمرار ارتباط آل حمق البكري الزيلعي العقيلي بهذا المسجد وبإرث الأسرة، كلها حلقات متصلة ترسم صورة لامتداد زيلعي عقيلي راسخ في بندر جازان.
إن هذه الوثيقة لا تتحدث عن بندر جازان بوصفه مكانًا بعيدًا عن الأحداث، وإنما تقدمه لنا بوصفه مدينةً حيةً كانت تتعرض للغارات، ويقيم فيها الأعيان والعلماء، وتتحرك فيها التجارة، وتتقاطع عندها الطرق والقوى العسكرية، وتنعكس عليها الصراعات السياسية في المنطقة. وفي قلب هذا المشهد يظهر اسم الشيخ عقيل بن أحمد الزيلعي، ابن صاحب المسواك، داخل بندر جازان، ليبقى اسمه شاهدًا على حضور البيت الزيلعي العقيلي في المدينة خلال تلك المرحلة.
وهكذا تأتي وثيقة سنة 966هـ لتضيء صفحة مهمة من تاريخ جازان، وتمنح تاريخ آل حمق البكري الزيلعي العقيلي شاهدًا متصلًا ببيئتهم التاريخية في بندر جازان، وبمسجد السادة الذي بناه جدهم الأعلى صفي الدين أحمد بن عثمان الزيلعي العقيلي، صاحب المسواك، وبابنه المباشر الشيخ عقيل بن أحمد الزيلعي الذي حفظت الوثيقة اسمه وبيته في قلب أحداث البندر. إنها وثيقة ترسم لنا بندر جازان وهو يتحرك داخل التاريخ، لا على هامشه، وتكشف أن المدينة وأسرها وأعيانها كانوا جزءًا من الأحداث الكبرى التي شهدتها المنطقة في القرن العاشر الهجري.







