التكاتف الاجتماعي وقت الفتن مطلب 

 

أ. نورا بنت محمد السفياني

في أوقات الرخاء، تبدو المجتمعات متماسكة بطبيعتها؛ يجتمع الناس على الأفراح، ويتبادلون التهاني وكذلك الأحزان ، وتبدو المحبة أمرًا سهلًا لا يحتاج إلى كثير من الجهد. لكن معدن المجتمعات الحقيقي لا يظهر في أيام الهدوء، بل يظهر حين تهبّ رياح الفتن، وتكثر الشائعات، وتتسع دائرة الخلاف، ويصبح الناس أمام امتحان صعب: هل يتفرقون أم يتكاتفون؟

إن التكاتف الاجتماعي وقت الفتن ليس مجرد شعار جميل نردده، بل هو مسؤولية أخلاقية وإنسانية، وسلوك عملي يحفظ للمجتمع أمنه واستقراره. ففي لحظات الاضطراب تزداد الحاجة إلى العقلاء الذين يهدّئون النفوس بدل أن يؤججوا الغضب، وإلى الواعين الذين يتحققون من الأخبار بدل أن يسارعوا إلى نشرها، وإلى القادرين على مساعدة المحتاجين بدل أن ينشغل كل إنسان بنفسه.

والفتنة تبدأ أحيانًا بكلمة، أو خبر مجهول المصدر، أو مقطع مبتور، ثم تنتشر بسرعة مذهلة حتى تصبح ككرة ثلج تكبر كلما تدحرجت. ولهذا فإن من أعظم صور التكاتف في زمن الفتن أن يمسك الإنسان لسانه عن كل ما يزيد الانقسام، وأن يتثبت قبل أن ينقل، وأن يدرك أن مشاركة إشاعة واحدة قد تضر أناسًا كثيرين، بينما حذفها قد يكون موقفًا صغيرًا لكنه عظيم الأثر.

كما أن التكاتف يعني أن نحافظ على روابط المجتمع، فلا نحول الاختلاف في الرأي إلى عداوة، ولا نجعل موقفًا سياسيًا أو اجتماعيًا سببًا لقطع الأرحام أو إهانة الآخرين أو إلحاق الضرر بهم فالاختلاف أمر طبيعي بين البشر، أما تحويل الاختلاف إلى كراهية فهو مقياس كبير للجهل .

ومن صور التكاتف كذلك الوقوف إلى جانب الفئات الأكثر تأثرًا بالأزمات؛ فالمجتمع القوي ليس هو المجتمع الذي يخلو من المشكلات، وإنما هو المجتمع الذي لا يترك أفراده بعضهم بعضًا عندما تشتد المشكلات. قد تكون المساعدة مالًا، أو طعامًا، أو كلمة طيبة، أو توجيهًا صحيحًا، أو مجرد حضور يشعر الإنسان بأنه ليس وحيدًا في مواجهة المحنة.

وفي زمن الفتن تبرز أيضًا أهمية احترام الأنظمة والتعليمات والرجوع إلى المصادر الرسمية في القضايا التي تمس الأمن والسلامة العامة. فالفوضى لا تحتاج إلى كثير من الوقود؛ يكفيها خبر غير موثوق، أو انفعال لحظي، أو تصرف فردي غير محسوب. أما الوعي والمسؤولية فهما صمام الأمان الذي يمنع الأزمات من التحول إلى كوارث وحفظ الدوله .

إن التكاتف لا يعني أن نتفق في كل شيء، ولا يعني أن نتخلى عن قناعاتنا أو عقولنا، بل يعني أن نختلف دون أن نهدم جسور الأخوة، وأن نناقش دون تجريح، وأن ننتقد دون ظلم، وأن نضع مصلحة المجتمع وسلامة أفراده فوق الرغبة في الانتصار للنفس أو إثبات أن “أنا وحدي أفهم وكل العالم لا يفهم”! فهذه الجملة، وإن كانت لا تُقال دائمًا بصوت مرتفع، إلا أن بعض التصرفات تقولها بوضوح شديد.

وقد علّمنا التاريخ أن المجتمعات التي تتماسك في الأزمات تستطيع تجاوز أصعب المحن، بينما تكون الانقسامات الداخلية بابًا واسعًا لاستمرار الأزمات وتعميق آثارها. لذلك فإن مواجهة الفتن تبدأ من الفرد قبل الجماعة: من كلمة مسؤولة، ومعلومة موثوقة، وقلب لا يفرح بانقسام الآخرين، ويد تمتد للمحتاج، وعقل يرفض أن يكون أداة في نشر الفوضى.

وفي النهاية، فإن الفتن مهما اشتدت لا ينبغي أن تنزع من الإنسان إنسانيته، ولا من المجتمع رحمته، ولا من الناس قدرتهم على التعايش. ففي اللحظات العصيبة تحديدًا، نحتاج إلى أن نتذكر أننا قد نختلف في الرأي، لكننا نستطيع أن نتفق على رفض الظلم، وحفظ الكرامة، وصيانة الأمن، والتكاتف الإجتماعي بكافة صوره

إن التكاتف الاجتماعي وقت الفتن هو الحبل الذي يمسك بالمجتمع عندما تهتز الأرض من تحته. وكل فرد يستطيع أن يكون جزءًا من هذا الحبل: بكلمة طيبة، أو موقف حكيم، أو خبر موثوق، أو مساعدة صادقة، أو حتى بالصمت حين يكون الكلام وقودًا للفتنة

وبالنهاية المجتمع قد تبث فيه سموم الفتنه على شكل نصح أوتحذير أونشر عادات هدامه أوسلوكيات تهدم بطرق غير مباشرة على المدى البعيد .

صدى نيوز اس 1

Related Posts

الإحساس لغة القلوب

عبدالله شراحيلي ليست كل الأشياء تُقال بالكلمات؛ فهناك مشاعر تعجز الحروف عن حملها، وتستطيع نظرة واحدة أن تقول ما لا تقوله صفحات من الكلام. ذلك هو الإحساس؛ اللغة التي تتحدث بها القلوب حين يصمت اللسان. قد يبتسم لك أحدهم، فتشعر أن خلف ابتسامته حكاية، وقد يقترب منك شخص دون أن يسأل عنك، فتجد في حضوره طمأنينة لا تعرف مصدرها. فبعض القلوب لا تحتاج إلى شرح؛ يكفيها…

بندر جازان في قلب التاريخ: وثيقة سنة 966هـ تكشف حضور آل البكري الزيلعي العقيلي ومسجد السادة في أحداث المنطقة

  بقلم: أحمد علي بكري تكشف الوثيقة التاريخية التي بين أيدينا جانبًا مهمًا من تاريخ بندر جازان في القرن العاشر الهجري، وتحديدًا في سنة 966هـ، وتقدم شاهدًا واضحًا على أن البندر لم يكن موضعًا هامشيًا أو معزولًا عن الأحداث التي كانت تعصف بالمنطقة، بل كان حاضرًا في قلب التحولات السياسية والعسكرية والاجتماعية التي شهدتها جازان وتهامة واليمن في تلك الحقبة. وتروي الوثيقة أن الأمير عيسى بن…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

الإتحاد السعودي للتجديف يوقع مذكرة تعاون مع الإتحاد المصري للتجديف

الإتحاد السعودي للتجديف يوقع مذكرة تعاون مع الإتحاد المصري للتجديف

الإحساس لغة القلوب

الإحساس لغة القلوب

السفير خالد المنزلاوي لى أن توان لبحث التعاون العربي الفيتنامي

السفير خالد المنزلاوي لى أن توان لبحث التعاون العربي الفيتنامي

بندر جازان في قلب التاريخ: وثيقة سنة 966هـ تكشف حضور آل البكري الزيلعي العقيلي ومسجد السادة في أحداث المنطقة

بندر جازان في قلب التاريخ: وثيقة سنة 966هـ تكشف حضور آل البكري الزيلعي العقيلي ومسجد السادة في أحداث المنطقة

“متمم” يشارك في إقامة لقاء توعوي بمركز الملك سلمان الاجتماعي

“متمم” يشارك في إقامة لقاء توعوي بمركز الملك سلمان الاجتماعي

منتدى الصناعة السعودي بجدة يدشن مرحلة جديدة للقطاع الصناعي

منتدى الصناعة السعودي بجدة يدشن مرحلة جديدة للقطاع الصناعي

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode