الولد الشقي سابقًا
الفصل الثالث
بقلم: فايل المطاعني الحكواتي
هذه الحكاية حقيقية، ولكن الأسماء الواردة فيها غير حقيقية.
انتظرت اتصالها القادم بفارغ الصبر.
كانت في رأسي أسئلة كثيرة؛ بعضها كنت أعرف كيف أطرحه، وبعضها الآخر لم أكن أعرف حتى من أين أبدأ به.
فليس من السهل أن تقول لك امرأة إنها أحبت ساحرًا، ثم تتوقف في منتصف الحكاية وتتركك معلقًا، وكأن المطلوب منك أن تصفق وتقول:
«يا لها من قصة!»
لا يا سيدتي…
أنا كاتب، والكاتب لا يعيش على أنصاف الحكايات.
وبعد يومين بالتمام والكمال، اتصلت.
لكنها هذه المرة كانت مختلفة تمامًا؛ أكثر مرحًا، وأكثر خفة، وكأن شيئًا ما قد تبدّل في صوتها.
وكم سعدت باتصالها!
بل أعترف لكم بشيء…
شعرت للحظة وكأنني ألتقي حبيبتي بعد غياب طويل!
والأغرب من ذلك أنني وجدت نفسي، دون أن أعرف كيف حدث هذا، أميل إلى صف ذلك العاشق الساحر!
وهنا قلت في سري:
«يا فايل… انتبه! أنت الكاتب، ولست طرفًا في القضية!»
لكن يبدو أن الحكواتي أحيانًا ينسى أنه حكواتي، ويتورط في الحكاية قبل أن يعرف نهايتها!
وبدون مقدمات، بدأت أسألها.
كان الخوف والفضول واضحين في نبرات صوتي، وكانت لهجتي معها مختلفة عن المرة السابقة. وربما شعرت هي بذلك الخوف… وربما أعجبها.
والحقيقة أنني أؤمن بأن المرأة، عندما تريد أن تجذبك إلى حديثها، تستطيع أن تكون ممثلة بارعة، دون أن تحتاج إلى خشبة مسرح!
قلت لها:
ــ لماذا لم تكملي الجملة؟ قلتِ إنك أحببتِ ساحرًا، ثم توقفتِ.
ثم تابعت:
ــ وهل توافقين على نشر هذه القصة… الحسناء والجني؟
ثم سألتها، والحيرة تغرق صوتي:
ــ وهل ما ذكرتِه صحيح؟ نحن في الألفية الثانية، ولسنا في العصور الوسطى!
وقبل أن أكمل سؤالي الثالث، حدث شيء لم أكن مستعدًا له.
تناثرت على مسامعي كمية من الدلال!
وأنتم تعلمون، أيها الأعزاء، أن الرجل مهما كان قويًا ومتماسكًا، فإنه أمام ذلك الكائن الجميل قد يكتشف فجأة أن قوانين القوة التي يؤمن بها لا تعمل!
وإلا…
كيف ضعف شمشون أمام دليلة؟
وكيف لان سيف عنترة أمام جبروت عبلة وجمالها؟
أما أنا، فكنت أحاول أن أبدو ثابتًا… والكاتب، كما تعلمون، يستطيع أن يخدع القارئ، لكنه أحيانًا يعجز عن خداع نفسه!
قالت كلمة واحدة فقط…
كلمة جعلت فايل الكاتب يتراجع خطوة صغيرة!
قالت بصوتها العذب، وبلهجتها العراقية الممزوجة بلهجة خليجية مترفة:
ــ يا عزيزي…
توقفت قليلًا.
قلت في نفسي:
«عزيزها؟!»
ثم استدركت نفسي سريعًا.
وأتبعت الكلمة بعبارة أخرى:
ــ أيها الكاتب الأنيق…
فقلت في سري:
«الحمد لله… أنقذتها بكلمة الكاتب!»
وكأنها كانت كريمة معي في أول حوارها، ثم شعرت أن كلمة «عزيزي» قد تكون جريئة بعض الشيء، فأتبعتها بـ«أيها الكاتب الأنيق» لتعيد الأمور إلى مسارها الأدبي!
وربما، بتلك الكلمة السحرية، كنت مستعدًا في تلك اللحظة لمحاربة الجن والشياطين معها!
والحقيقة أن محاربة تلك المخلوقات المرعبة لم تكن واردة في خطتي إطلاقًا…
لكن الكتاب، كما تعلمون، يقولون أحيانًا ما لا يفعلون!
ثم سمعتها تقول:
ــ عزيزي… أنت معي؟
قلت:
ــ نعم، معك. هيا تحدثي، فأنا أسمعك.
قالت:
ــ علي ليس ساحرًا عاديًا فقط، بل هو في مرتبة أمير بينهم، ومكانته لديهم عظيمة.
توقفت لحظة.
ثم قلت:
ــ لدي سؤال آخر.
قالت:
ــ اسأل.
قلت:
ــ ألم تخافي؟ أليس من الجنون أن تعشق حسناء ساحرًا؟
ابتسمت.
ثم قالت:
ــ هل تعلم لماذا اخترتك أنت لتكتب حكايتي؟
سكت.
كنت مثل تلميذ يمدحه أستاذه أمام زملائه، ولا يعرف هل يبتسم أم يواصل الصمت!
ثم أضافت:
ــ تعجبني رواياتك، فيها روح الواقع. وعندما أقرأها أشعر وكأنني أنا البطلة.
قلت لها:
ــ سيأتي يوم وتكونين فيه إحدى بطلات قصصي.
سكتت.
والحقيقة أن الهاتف لا ينقل إليك دائمًا مشاعر الطرف الآخر؛ قد ينقل الكلمات، لكنه يعجز أحيانًا عن نقل ما وراء الكلمات.
ومع ذلك، شعرت أنها كانت سعيدة بما قلت.
ثم قالت:
ــ سأجيب عن سؤالك الأخير.
وتابعت:
ــ الخوف؟ نعم، كنت خائفة. ليس من السهل أن تكتشفي أن الرجل الذي أحببته ساحر!
ثم ابتسمت وقالت:
ــ لكن من الأشياء الجميلة أنني حافظة للقرآن الكريم. وكما يقولون: الحب أعمى.
ثم قالت بحزم:
ــ قررت أن أجعله يترك أعمال السحر ويرجع إلى ربه.
وصمتت لحظة.
ثم قالت:
ــ قررت أن أحارب الدنيا من أجله.
قلت لها:
ــ محاربة الدنيا أهون من محاربة الشياطين. نحن لا نستطيع مواجهة شياطين الإنس، فما بالك بشياطين الجن؟
سكتت فجأة.
وكأنها لم تكن تحدثني…
ثم جاء صوتها أقرب إلى الهمس:
ــ هل تعلم؟ لقد دارت معركة بيني وبين أتباعه. حاولوا بكل وسيلة أن يبعدوني عنه، لكن حبنا صمد… ووقف كالصخرة.
ثم بدأت تحكي.
قالت إن ثمن ذلك الحب كان باهظًا.
أحرقوا بيتها.
وأحرقوا سيارتها.
ونجت أكثر من مرة من حوادث اصطدام أو دهس، بينما لم تجد الشرطة دليلًا على أن تلك الحوادث كانت متعمدة.
كنت أستمع إليها، وفي داخلي سؤال واحد:
كيف يمكن لإنسان أن يدفع كل هذا الثمن من أجل الحب؟
ثم قالت، وهي تطلق تنهيدة طويلة:
ــ صعب أن تحارب الجن، أيها العزيز…
سكتُّ.
ولأول مرة منذ بدأت الحكاية، شعرت أنني لا أستمع إلى قصة عادية.
كانت هناك امرأة تتحدث عن حبها، وعن خوفها، وعن معركة لا أستطيع أن أراها، لكنها كانت بالنسبة إليها حقيقة كاملة.
أما أنا…
فكنت أكتب.
وكنت ألتقط كل كلمة، وكل تنهيدة، وكل صمت بين جملة وأخرى.
لكن كلمة واحدة كانت تستوقفني في كل مرة تقولها:
العزيز.
كنت أضع تحتها خطًا أحمر في ذهني، ثم أعود للاستماع.
ليس لأنني كنت أريد تفسير الكلمة…
بل لأنني، ببساطة، لم أكن أريدها أن تتوقف.
كنت أريدها أن تكمل الحكاية.
كنت أريد أن أعرف من هو علي؟
وكيف أصبح ساحرًا؟
وكيف أحبته هذه المرأة؟
ومن هم أولئك الذين أحرقوا بيتها وسيارتها؟
والسؤال الأهم…
هل كانت كل هذه الأحداث بسبب عالم الجن فعلًا، أم أن وراء الحكاية سرًا آخر لم يصلني بعد؟
لكنني لم أكن أعرف أن الحكاية القادمة ستأخذني إلى مكان لم أكن مستعدًا للوصول إليه.
كنت أظن أنني مجرد كاتب يستمع إلى حكاية امرأة غامضة…
ولم أكن أعلم أنني، شيئًا فشيئًا، بدأت أصبح واحدًا من شهودها.
وهنا…
كان عليّ أن أنتظر بقية الحكاية.
فبعض الحكايات لا تنتهي عندما يصمت صاحبها…
بل تبدأ الحكاية الحقيقية عندما يصمت!
ودمتم مع تحيات
الولد الشقي سابقًا…
الحكواتي حاليًا.









