بقلم: الدكتور عثمان بن عبدالعزيز آل عثمان
اليوم الوطني السعودي السادس والتسعون ليس مجرد تاريخ يتجدد في التقويم، ولا مناسبة عابرة تستوقفنا لبرهة؛ بل هو ذاكرة وطن، ومسيرة أجيال، وقصة دولة بدأت بتوحيد الأرض والإنسان، ثم مضت بعزم راسخ نحو بناء وطن تتسع فيه الأحلام، وتتجدد فيه الطموحات، ويكبر فيه الأثر.
إنه يوم نستحضر فيه نعمة الوطن، ونستشعر قيمة الوحدة، ونستعيد صفحات مضيئة من تاريخ المملكة العربية السعودية؛ تلك المسيرة التي انتقلت من مرحلة التأسيس والتوحيد إلى آفاق واسعة من التنمية والبناء، حتى أصبحت المملكة حاضرة في ميادين متعددة، ومحورًا للعديد من المبادرات والمشروعات الطموحة.
فالوطن ليس مكانًا نسكنه فحسب؛ بل هو معنى يسكن فينا. وحين يصبح الوطن معنى في القلب، تتحول محبته إلى مسؤولية، والانتماء إليه إلى عمل، والاعتزاز به إلى إنجاز، وخدمته إلى رسالة تتجاوز حدود الكلمات.
وفي هذه المناسبة الغالية، نستحضر بكل فخر سيرة المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -رحمه الله تعالى- الذي وحّد هذه البلاد، وجمع كلمتها، وأرسى دعائم دولة قامت على التوحيد، وثبّت أركانها على أسس راسخة من الأمن والاستقرار والبناء.
ثم واصل أبناؤه الملوك من بعده مسيرة البناء والتطوير، يحمل كل عهد ملامح مرحلته، ويضيف إلى مسيرة الوطن لبنة جديدة، حتى وصلت المملكة العربية السعودية إلى مرحلة متقدمة من التحول والتنمية، وأصبحت لها مكانة راسخة وحضور مؤثر على المستويين الإقليمي والدولي.
وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وبدعم ومتابعة سمو ولي عهده الأمين رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظهما الله- تتواصل مسيرة التحول الوطني والتنمية، ضمن رؤية طموحة تستثمر في الإنسان، وتدعم الاقتصاد، وتوسع فرص المشاركة، وتفتح آفاقًا جديدة أمام أبناء الوطن وبناته.
غير أن أعظم ما في قصة الوطن ليس ما شُيّد من مبانٍ، ولا ما أُنجز من مشروعات فحسب؛ بل الإنسان الذي يقف خلف كل إنجاز، والفكرة التي تتحول إلى مبادرة، والمبادرة التي تصنع أثرًا، والأثر الذي يبقى نافعًا للأجيال.
ومن هنا، فإن السؤال الأجمل في اليوم الوطني ليس: ماذا حقق الوطن لنا فحسب؟ بل: ماذا قدمنا نحن لوطننا؟ وما الأثر الذي يمكن أن نتركه فيه؟
فالوطن يُبنى بالعلم الذي يصنع المعرفة، والعمل الذي يصنع الإنجاز، والإتقان الذي يحفظ جودة الأداء، والتطوع الذي يمد جسور التكافل، والمبادرات التي تفتح أبواب الأمل، والكلمة الطيبة التي تجمع القلوب، والأسرة التي تربي أبناءها على المسؤولية، والمعلم الذي يغرس القيم، والطبيب الذي يداوي، والمهندس الذي يبني، والعامل الذي يتقن، وكل إنسان يؤدي أمانته بإخلاص. فليس كل أثر يُرى بالعين؛ إذ إن بعض أعظم الآثار تُزرع في إنسان، ثم تمضي معه إلى المستقبل.
ومن أجمل ما يمكن أن نقدمه لوطننا أن نجعل العطاء أسلوب حياة؛ عطاءً بالعلم، والوقت، والخبرة، والعمل، والكلمة الطيبة، والمبادرة، والتطوع، وإتقان المسؤولية. فحين يتحول العطاء من فعل فردي إلى ثقافة مجتمعية، يصبح الوطن أكثر قوة وتماسكًا، ويصبح كل فرد شريكًا في صناعة الأثر.
وهذه واحدة من أجمل الصور التي تعكس المجتمع السعودي؛ مجتمع تتكامل فيه الأدوار، وتتسع فيه مساحات العمل التطوعي والإنساني، ويتحول فيه العطاء من مبادرات فردية إلى ثقافة مجتمعية، بما يعزز التماسك الاجتماعي، ويجسد قيم التعاون والتراحم وخدمة الإنسان.
كما أن المملكة العربية السعودية تحتضن ملايين المقيمين الذين يعيشون على أرض بلاد الحرمين الشريفين، ويسهمون في قطاعاتها المختلفة، في إطار الأنظمة والقيم التي تحفظ الحقوق وتصون الكرامة، بما يعكس اتساع مساحات التعاون الإنساني والاقتصادي والاجتماعي.
وتبقى للمملكة خصوصيتها التي لا تشبهها فيها أرض؛ فهي مهبط الوحي، وبلاد الحرمين الشريفين، ومهوى أفئدة المسلمين، وتتشرف بخدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما من المسلمين في أنحاء العالم. وهذه المكانة الدينية العظيمة تمنح مسيرة الوطن بُعدًا يتجاوز الجغرافيا؛ فالمملكة تحمل مسؤولية عظيمة تجاه خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما، وهي مسؤولية تتجدد معها معاني الشرف والأمانة والبذل.
اليوم الوطني ليس نهاية مسيرة، بل محطة في مسيرة مستمرة؛ مسيرة بدأت بالتوحيد، ونمت بالبناء، وتعززت بالإنجاز، وتتطلع إلى المستقبل بعقل طموح، وقلب واثق، وإرادة لا تتوقف عن العمل والعطاء.
فلنحتفل بوطننا بما يليق بمكانته؛ لا بالفرح وحده، وإنما بالعمل الذي يترجم الفرح إلى أثر، وبالإخلاص الذي يحول الانتماء إلى مسؤولية، وبالمبادرة التي تجعل من حب الوطن سلوكًا يوميًا، وبالمحافظة على مكتسباته، وتعزيز قيم المواطنة، وغرس الاعتزاز بالوطن في نفوس أبنائنا وبناتنا.
ولنجعل من كل يوم فرصة جديدة لنسأل أنفسنا: ما الذي أستطيع أن أضيفه لوطني؟ ومن الإنسان الذي أستطيع أن أخدمه؟ وما الأثر الذي سيبقى بعد أن تنتهي المناسبة؟ فالأوطان العظيمة لا تصنعها المناسبات وحدها، وإنما يصنعها الإنسان الذي يؤمن بأن له دورًا في حاضرها ومستقبلها.
وفي اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين، نجدد محبتنا لوطننا، واعتزازنا بمسيرته، وامتناننا لنعم الأمن والأمان والاستقرار، ونستشرف مستقبلًا يحمل، بإذن الله تعالى، مزيدًا من فرص البناء والعطاء والإنجاز.
نسأل الله تعالى أن يحفظ خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وأن يوفقه لكل خير، وأن يحفظ سمو ولي عهده الأمين رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ويوفقه ويسدد خطاه، وأن يحفظ المملكة العربية السعودية، ويديم عليها وعلى المقيمين في بلاد الحرمين الشريفين نعمة الأمن والأمان والاستقرار والرخاء، ويحفظ شعبها، ويبارك في جهود أبنائها وبناتها.
كل عام ووطننا الغالي شامخ بالعز، ثابت الجذور، متجدد الطموح، واسع الأثر. كل عام والمملكة العربية السعودية تمضي بثقة نحو مستقبلها، مستندة إلى تاريخها، ومعتزة بهويتها، ومستثمرة في إنسانها. كل عام وراية المملكة العربية السعودية خفاقة بالعز والمجد، ودام وطننا وطنًا للخير، وأرضًا للأمن، ومنارةً للعطاء، ومهوىً للقلوب.
حفظ الله تعالى وطننا، وحفظ قيادتنا الرشيدة رعاها الله تعالى، وأدام على المملكة العربية السعودية عزها ومجدها وأمنها ورخاءها، وكتب لها ولأهلها وجميع القاطنين فيها مزيدًا من الخير والازدهار.
دام عزك يا وطن.
#اليوم_الوطني_السعودي_96
#اليوم_الوطني_السعودي
#المملكة_العربية_السعودية
#دام_عزك_يا_وطن







