دكتور حسن الأمير
تسير الكلمات في دروب البشر حافية تحمل على أكتافها أثقال النوايا وصراخ القلوب لكنها ما إن تطأ أرض التلقي حتى تتقاذفها رياح التأويل فتلبس غير ثيابها وتسكن غير بيوتها……
إن أخطر ما يواجه الكائن الإنساني في رحلته الوجودية ليس صمت الفراغ بل ضجيج المعاني المشوهة التي تولد في تلك المساحة الرمادية الفاصلة بين شفتي المتكلم وأذن السامع….
هناك في ذلك البرزخ الضيق ترقد النوايا الموؤودة والأوهام المبتدعة حيث يغترب “مقصودٌ لم يُفهم” وينبت في العراء “مفهومٌ لم يُقصد” ومن هذه الفجوة القاتلة بالذات تخرج معاول الهدم لتقوض بنيان الوعي المشترك وتدك حصون المودة والاتصال بين الأرواح محولة حوار الحضارات والعقول إلى ساحة حرب بين أشباح وخيالات……
إن المقاصد الحقيقية كائنات شديدة الحساسية والشفافية تولد في أرحام السرائر وتصاغ بدموع النفس وتجاربها الفريدة فإذا ما خرجت إلى العلن واجهت عقولاً محملة بالأحكام المسبقة والظنون الجاهزة فيحدث الاغتراب الأول حيث يرى السامع قشور اللفظ
ولا ينفذ إلى لب المعنى فيموت المقصود على عتبة الفهم البليد وفي المقابل يتحرك الوهم المعرفي ليمارس إسقاطاته النفسية والفكرية على الكلمة البريئة فيخترع لها وجهاً مرعباً أو خبيثاً لم يخطر ببال قائلها قط ليولد المسخ الأكبر مفهوم كامل الأركان يحاكم عليه المرء ويساق بسببه إلى مقاصل الاتهام وهو منه براء……..
هذا التناشز المعرفي ليس مجرد كبوة لغوية عابرة بل هو الداء العضال الذي تتغذى عليه الصراعات البشرية حيث لا يحارب الإنسان أخاه الإنسان بناءً على ما قاله أو أراده بل بناء على ذلك الشبح الذي استوطن عقله وظن أنه الحقيقة……
أمام هذا التآكل الصامت الذي تقوده معاول الهدم في جسد الحقيقة غدا لزاماً على فرسان الكلمة ومنارات الفكر أن يتفننوا في طرحهم……..
والتفنن هنا ليس تزويقاً إنشائياً يقف عند حدود الزينة اللفظية بل هو بلوغ ذروة النضج والمسؤولية الوجودية تجاه العبارة………
إنه الصهر المستمر للمعاني المعقدة في قوالب من النور الساطع والسبك الدقيق للكلمات بحيث لا تحتمل عوجاً ولا تترك وراءها ظلالاً معتمة يتسلل منها خفافيش التأويل إنها محاولة مقدسة لتضييق المسافة بين نية القلب ومنطق اللسان شجاعة في الوضوح تأبى الاستسلام للغموض المريب وتمنع الهادمين من العثور على ثغرة ينفذون منها لتشويه الجمال وإفساد الطهر……
بيد أن الطرح البليغ وحده لا يكفي إن لم يقابله وعي يتفرد في فهمه……
التفرد في الفهم هو الانعتاق التام من ربقة القطيع الفكري وترفع النفس الأبية عن أن تكون صدى لأصوات الآخرين أو أداة في أيدي الغوغاء……
المتفرد في فهمه لا يتصيد الألفاظ في الماء العكر ولا يقرأ العبارات بعين العداوة أو الريبة بل يستنطق المقاصد بروح الشريك في الإنسانية…..
يعزل الكلمة عن ضوضاء الأحكام المعلبة ويبحث عن سياقها الأصيل ويمارس التفكيك والتمحيص بدافع الحب والوصول إلى الحق
لا بدافع الانتصار والتمكين للذات……
هذا التفرد هو الترياق الوحيد لسموم الفهم المشوه وهو السور العالي الذي تتكسر على صخرته كل معاول الهدم التي تبتغي تمزيق الأواصر ونشر الفتنة في أرض المعنى….
حين يلتقي الطرح المتفنن بالفهم المتفرد يبرأ العالم من علة برج بابل القديمة حيث كان الجميع يتحدثون ولا أحد يفهم الآخر إنها الدعوة الدائمة للإرتقاء بالوجود الإنساني من دركات التصيد والتشويه إلى سماوات الاتصال الروحي والمعرفي الباذخ حيث تحترم النوايا وتفهم المقاصد كما هي في طهرها الأول وتغلق الأبواب دون كل مفهوم مبتدع يروم إحالة النور إلى ظلام والائتلاف إلى شتات……
#دكتور_حسن_الأمير






