بقلم / جنيد بن أحمد خواجي
ذات ليلة وقف رجل أمام مرآته، فلم يرَ وجهه الذي اعتاد؛ رأى طفلًا صغيرًا يحمل حقيبة تكاد تبتلعه، يمد يده نحو فراغ لا تراه العين. اقترب الرجل من الزجاج، فاقترب الطفل، وحين رفع يده رفع الطفل يده أيضًا، لكن بين الكفين ظل سر قديم أخفاه الزمن. وحين غاب الصغير عن عينيه، انفتح في ذاكرته باب ظن أنه أغلقه منذ زمن.
رحلت أمه وهو دون الثانية، قبل أن يعرف معالم وجهها، فلم يبقَ منها سوى إحساس غامض بالدفء والحنان. ثم مضت أعوام قليلة ولحق بها أبوه، وكان قد عرف صوته وملامحه ويده التي تمتد إليه، فإذا بالمكان يخلو منها دفعة واحدة. كبر وفي داخله غيابان، وظل يبحث دون أن يدري عن معنى يملأ الفراغ الذي تركه الرحيل.
حمل حقيبته إلى مدرسة متواضعة في قريته الصغيرة، حيث كانت الحياة الحديثة تصل بخطواتها الأولى. لم يكن يعرف أن تلك المدرسة ستفتح له نافذة على عالم أوسع، وأن أول درس في حياته سيبدأ من مكان ضيق، ثم تتسع الدنيا أمامه كلما اتسع أفقه. انتقل بعدها إلى المتوسطة والثانوية في المدينة القريبة، فاتسعت أمامه الوجوه والآفاق، وأدرك أن البدايات لا ترسم وحدها حدود الغد.
ثم جاءت الرحلة إلى العاصمة للدراسة في الجامعة، فبدت له الطريق خروجًا من عالم يعرفه إلى عالم لا يعرف له نهاية. كان يتأمل المدن المتوالية والمسافات الممتدة بدهشة من يرى وطنه للمرة الأولى على اتساعه. وحين بلغ العاصمة أدهشته شوارعها وحركتها ومبانيها ووجوه القادمين إليها من جهات شتى، كأن الوطن كله قد اجتمع في مكان واحد.
في الجامعة وجد عالمًا جديدًا؛ قاعات ومعامل ومكتبات، أساتذة وطلابًا، وأسئلة تفتح أبوابًا لم يعرفها من قبل. كان السكن بداية الاعتماد على النفس، والنقل نافذة على إيقاع العاصمة، والمكافأة سندًا يخفف عنه أعباء الطريق. واتسع عالمه الجامعي، واتسعت معه ثقته بنفسه وشغفه بالمعرفة، حتى أدرك أن رحلته لم تكن انتقالًا بين الأمكنة، بل خروجًا من حدود ما يعرف إلى أفق يستطيع أن يصنع فيه مكانه.
وحين تخرج اختار التعليم. فالذي افتقد يدًا تطمئنه وجد نفسه يمنح الآخرين ما يعينهم على الطريق. أمضى أكثر من ثلاثين عامًا بين الفصول، يرى في عيون طلابه خوف البدايات ودهشة الاكتشاف، فيمنحهم من العلم والثقة ما يستطيع. ومع الأيام صار التعليم رسالة يترك أثرها في حياة من يمرون به.
ثم صار أبًا. وحين أمسك يد طفله لأول مرة شعر أن الزمن أعاد إليه معنى ظل يبحث عنه دون أن يعرف اسمه. فهم أن الحياة لا تعيد إلينا دائمًا ما فقدناه، لكنها قد تمنحنا قدرة أعمق؛ أن نحول ما افتقدناه إلى شيء نهبه لمن بعدنا.
وفي الوقت الذي كان عمره يتشكل، كان الوطن يفتح فصوله الكبرى. قرأ تاريخ الملك عبدالعزيز، رحمه الله، وتتبّع سيرة الملك سعود والملك فيصل، رحمهما الله، ثم جاء عهد الملك خالد، رحمه الله، فتحولت صفحات التاريخ في عينيه إلى زمن يراه ويعيشه. ومن هناك مضى مع الملك فهد ثم الملك عبدالله، رحمهما الله، عبر مراحل من التحول والنمو، حتى بلغ عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، حفظه الله.
في عهد الملك سلمان رأى وطنًا أكثر رسوخًا في جذوره وأوسع في تطلعه، يحمل تاريخه بثقة ويفتح للمستقبل أبوابه. وفي ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، حفظه الله، رأى ملامح مرحلة جديدة تتقدم فيها رؤية المملكة 2030، بطموح يوسع آفاق التنمية ويفتح للأجيال مساحات أرحب. عندها شعر أن الطفل الذي بدأ حياته في مدرسة صغيرة صار يعيش في وطن تتسع أحلامه حتى تتجاوز ما كان يستطيع تخيله في بداياته.
ومع مرور السنين أدرك أن ما يمر بالإنسان لا يبقى خارجه؛ يصوغ وعيه ويعيد تشكيل نظرته إلى الحياة. كان يكبر، وكان الوطن يكبر معه، حتى صار اتساع الوطن جزءًا من اتساعه، وتاريخه جزءًا من ذاكرته. لم يعد يراه مكانًا يسكنه، بل زمنًا يسكنه هو.
وحين يأتي اليوم الوطني كل عام، تستيقظ ذاكرته كاملة؛ يرى الطفل الذي انتظر على الطريق، والطالب الذي غادر قريته، والشاب الذي وصل العاصمة مبهورًا باتساعها، والمعلم الذي أمضى أكثر من ثلاثين عامًا بين طلابه، والأب الذي صار سندًا لأبنائه. وخلف هذه الصور كلها يرى وطنًا كان يكبر معه، يفتح له في كل مرحلة بابًا جديدًا. عندها أدرك أن الوطن لم يكن يومًا في ورقة التقويم، ولا مناسبة تعبرها الأيام ثم تنصرف؛ كان حاضرًا في عمره كله، في الطريق الذي قطعه، والعلم الذي تعلّمه، والعمل الذي اختاره، واليد التي امتدت إليه ثم امتدت منه إلى غيره.
عاد إلى المرآة.
كان الطفل واقفًا هناك، لكن الحقيبة لم تعد تثقل كتفيه. مد الرجل يده نحو الزجاج، فمد الطفل يده أيضًا. وحين التقت اليدان، شعر أن السنوات لم تكن مسافة بين شخصين، بل طريقًا أوصله إلى نفسه.
سكن الصمت لحظة. أدرك أنه لم يبتعد عن ذلك الطفل قط؛ حمله في كل خطوة، وحوّل فقده إلى عطاء، وسؤاله القديم إلى رسالة. كان يبحث عن الأمان، ثم أمضى عمره يصنعه لغيره؛ في يد المعلم، وفي قلب الأب، وفي كل موقف اختار فيه أن يمنح من حوله ما افتقده يومًا.
ثم خرج الطفل من المرآة، ووضع حقيبته على الأرض ومضى. وحين التفت الرجل فلم يجد أحدًا، أدرك أن الطفل لم يكن شخصًا آخر؛ كان هو نفسه، وكان الوطن أيضًا.
عندها فهم أن الوطن الذي رافقه منذ مدرسته الأولى لم يكن مكانًا ولا تاريخًا ولا حاضرًا فحسب؛ كان المعنى الذي جمع الفقد والعلم والعمل والأبوة، ومنح حياته اتجاهًا يتجاوزها. أعطاه في بداياته فرصة أن يتعلم، ثم فتح له الطريق، ثم ترك له أن يختار كيف يكون نافعًا فيه. ومع مرور العمر اكتشف أن الانتماء ليس شعورًا يسكن القلب وحده، بل مسؤولية تتحول إلى عمل وأثر، وما يتركه الإنسان آمنًا لمن بعده.
نظر إلى المرآة للمرة الأخيرة، فلم يبحث عن الطفل. كان يعرف أنه مضى إلى الغد يحمل حقيبته الصغيرة. وحين جمع في قلبه القرية الأولى ودهشة العاصمة وهدوء الفصل ويد طفله وذاكرة وطن ظل يكبر معه، لم يعد يرى حياته محطات متفرقة، بل رحلة واحدة امتدت من فقدٍ مبكر إلى عطاء، ومن يد تبحث عن الأمان إلى يد تعلمت أن تمنحه.
عندها اكتملت الصورة؛ لم يكن الوطن خلف حكايته ولا خارجها، بل كان في تفاصيلها كلها، وفي كل باب فتح له طريقًا جديدًا، حتى صار ما أخذه منه بدايةً لما استطاع أن يضيفه إليه. وأدرك أن أجمل ما يتركه الإنسان لوطنه ليس ما أخذه منه، بل ما أضافه إليه، وما سلّمه آمنًا إلى من بعده.
وعندها فقط فهم أن كل ما عاشه لم يكن عمرًا يمضي بعيدًا عن وطنه، بل كان وطنًا… فصار
سيرة العمر🇸🇦💚








