عبدالله شراحيلي
ليس كل رحيلٍ مغادرة، ولا كل ضياعٍ تيهًا، ولا كل جنونٍ فقدانًا للعقل؛ فثمة حالات يعيشها الإنسان لا تستطيع الكلمات أن تشرحها، ولا تستطيع المسافات أن تنهيها، لأنها ببساطة حكاية قلبٍ ما زال معلّقًا بمكانٍ ما، أو بذكرى ما، أو بشعورٍ لم يجد طريقه إلى البوح.
قد تغادر المكان بخطواتك، وتبتعد عنه بجسدك، لكن شيئًا منك يظل هناك؛ يستعيد تفاصيله، ويتأمل زواياه، ويصغي إلى صدى لحظاته، وكأن الرحيل لم يكن إلا انتقالًا للجسد، بينما الروح اختارت البقاء حيث وجدت شيئًا يشبهها، أو شعورًا لا يتكرر.
وقد تضيع في زحام أفكارك، تتقاذفك الأسئلة، وتتشابك في داخلك الذكريات، حتى تعجز عن تفسير ما يحدث لك، ومع ذلك لا تفقد الطريق؛ لأنك تعرف جيدًا إلى أين يمضي قلبك، وإن عجزت قدماك عن الوصول.
أما الجنون الذي نقصده، فليس خروجًا عن العقل، وإنما هو ازدحام المشاعر حين تضيق بها مساحات الكلام، وتتعثر الحروف على أبواب البوح. هو أن تبتسم وفي أعماقك ألف حكاية، وأن تصمت وفي داخلك حديث لا ينتهي، وأن تبدو هادئًا أمام الآخرين، بينما تعيش في أعماقك عاصفة لا يراها أحد.
كم من إنسانٍ رحل ولم يغادر، وابتعد ولم ينقطع، وصمت ولم تنتهِ حكايته! وكم من وجوهٍ غابت عن أعيننا، لكنها بقيت حاضرة في تفاصيل أيامنا، تسكن الذاكرة، وتطلّ علينا من نافذة الحنين كلما مرّ بنا موقف يشبهها.
إنها مفارقات الروح التي لا تخضع لمنطق المسافات؛ فالأماكن لا تُقاس دائمًا بما نراه فيها، وإنما بما تركته فينا، والأشخاص لا يُقاس حضورهم بقربهم، وإنما بالأثر الذي لا يمحوه الغياب.
ولعل أجمل ما في الإنسان أن يحمل في داخله عالمًا لا يعرف الآخرون عنه شيئًا؛ عالمًا من الذكريات والمشاعر والأمنيات، قد يبدو ساكنًا من الخارج، لكنه يضج بالحياة في أعماقه.
فليس كل من غادر قد رحل، وليس كل من تاه قد ضلّ، وليس كل من بدا مجنونًا قد فقد عقله؛ فبعض الأرواح ترحل بأجسادها، وتبقى بكل ما فيها حيث يسكن الشعور.






