نصفٌ كُوبي.. فارغ، ونصفه الآخر غير ممتلئ!

ا/محمد باجعفر.

​حين يقع البصر على إناء تتنازعه حواف النقصان وريّ الارتواء، تتشعب العيون؛ فهناك من يرى السطح الواسع الممتد فراغاً، ومن يلمح ببطن الزجاجة بقية ماء ترفض أن تستحيل إلى جفاف. وإذا كان الفلاسفة طالما وقفوا طويلاً عند ثنائية الكوب الممتلئ والفارغ، فإن الحكمة الحقيقية لا تكمن في كمية ما هرب، بل في لجة ما تبقى؛ فحين ننظر إلى النصف الفارغ فنراه “غير ممتلئ”، فإننا ننجز انقلاباً لطيفاً على لغة اليأس، وندير ظهرنا للعدم لنلتصق بمعنى البقاء.

​إن عبارة “غير ممتلئ” تحمل في طياتها اعترافاً ضمنياً بالأمل؛ إنها لا تنكر النقص، لكنها ترفض أن تعطيه حجم الوجود كله. الفارق شعرة دقيقة بين من يقول “انتهى الأمر” وبين من يهمس “للقصة بقية”. فالأول يختزل الكوب في فراغه، والثاني يتأبط البقية الباقية وكأنها كنز نجاة. إنها زاوية نظر عاقلة ومقاومة في آنٍ واحد، زاوية ترفض أن تستسلم لمنطق الجفاف، وتختار أن تصغي لصوت البلل الخافت في قاع الزجاجة.

​في مسيرة الحياة، كثيراً ما تواجهنا مواسم شحيحة، تتساقط فيها تفاصيل كنا نظنها أبدية، وتضيق بنا السبل حتى ليكاد اليأس يلامس الأبواب. وحينها، نجد أنفسنا أمام خيارين: إما أن نندب ما ضاع ونتورط في استدعاء الغياب، وإما أن نحني هاماتنا احتراماً للخير الذي لم ينفد، والفرص التي لم تغلق، والنبض الذي لم يتوقف. إن رؤية النصف الفارغ على أنه “غير ممتلئ” هي تحية خفية للحياة، إقرار بأن النقصان ليس سوى مرحلة عابرة، وأن الامتلاء الكامل ربما لم يعد مطلوباً لنواصل المسير، فحسبنا ما يكفي لندرك الطريق.

​ما دام في الماء بقية، فالظمأ لن يطول، وما دام في الروح ريق من أمل، فالخطوات لن تقف عند عتبة العجز. إنها دعوة لنعيد ترتيب زوايا نظرنا، لنبحث عن ذلك الخيط الرفيع من النور وسط عتمة الفراغ، وندرك أن الأشياء لا تموت ما دام هناك قلب يعلم كيف يقرأ في النقص طاقةً جديدةً للبدء من جديد.

صدي نيوز اس 6

Related Posts

مقصودٌ لم يُفهم..  ومفهومٌ لم يُقصد

دكتور حسن الأمير تسير الكلمات في دروب البشر حافية تحمل على أكتافها أثقال النوايا وصراخ القلوب لكنها ما إن تطأ أرض التلقي حتى تتقاذفها رياح التأويل فتلبس غير ثيابها وتسكن غير بيوتها…… إن أخطر ما يواجه الكائن الإنساني في رحلته الوجودية ليس صمت الفراغ بل ضجيج المعاني المشوهة التي تولد في تلك المساحة الرمادية الفاصلة بين شفتي المتكلم وأذن السامع….  هناك في ذلك البرزخ الضيق ترقد…

مزرعة الحرية الطريق إلى السعادة

بقلم: فايل المطاعني الحكواتي يُعدّ الطريق المؤدي إلى «مزرعة السعادة»، وهو الاسم الذي اختير لوجهتي، واحدًا من أقسى الطرق التي يمكن أن يسلكها المرء. طريقٌ بلا حياة؛ فلا زرع ولا ماء، ولا شيء سوى شارع ترابي تتطاير الأتربة من جنباته مع مرور السيارة، وشمس حارقة تصبّ جحيمها فوق رأسك مباشرة، حتى إن درجة الحرارة تصل إلى خمسين درجة مئوية. صحراء مترامية الأطراف، لا تعرف لها بداية…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

مقصودٌ لم يُفهم..  ومفهومٌ لم يُقصد

مقصودٌ لم يُفهم..  ومفهومٌ لم يُقصد

الشيخ الجميري يحتفي بزواج نجله “صالح” 

الشيخ الجميري يحتفي بزواج نجله “صالح” 

جامعة الطائف تحتفي بسباق الجري السنوي الـ17 بمشاركة أكثر من 600 مشارك ومشاركة

جامعة الطائف تحتفي بسباق الجري السنوي الـ17 بمشاركة أكثر من 600 مشارك ومشاركة

نصفٌ كُوبي.. فارغ، ونصفه الآخر غير ممتلئ!

نصفٌ كُوبي.. فارغ، ونصفه الآخر غير ممتلئ!

السعودية تختتم مشاركتها في سوق السفر العالمي 2026 بلندن

السعودية تختتم مشاركتها في سوق السفر العالمي 2026 بلندن

مزرعة الحرية الطريق إلى السعادة

مزرعة الحرية الطريق إلى السعادة

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode