ا/محمد باجعفر
جازان /صدى نيوز إس
هناك لحظة فارقة في حياة كل إنسان، لا تأتي بصخبٍ ولا تُعلن عن نفسها بجرس أنذار، بل تتسلل إلى الروح في هدوءٍ تام كفجرِ يومٍ سديد. إنها اللحظة التي يدرك فيها المرء أنه ينتمي، أخيراً، إلى نفسه.
في مسيرتنا الأولى، ننفق أعماراً وطاقاتٍ هائلة في ميادين الجدال؛ نجادل لندفع التهمة، ونبرر لنصلح الصورة، ونصارع في خصوماتٍ استنزفت منا النوم والصحة، ظناً منا أن كسب المعركة الكلامية هو انتصارٌ للذات. كنا نظن أن محبة الجميع شرطٌ للاستقرار، وأن فهم الناس لنياتنا واجبٌ يستحق العناء.
لكن، وبفضلٍ من الله، تشرق في القلب مرحلةٌ جديدة، ينطفئ فيها رغبة الحوار الطويل، ويسقط منها شغف الخصام المثير. مرحلةٌ تكتشف فيها أن بعض المعارك لا تستحق حتى رشفة ماء، وأن إهدار الطاقة في التبرير هو بمثابة رهنِ حريتك النفسية في أيدي الآخرين.
في هذه المحطة الشريفة من العمر:
تسقط الرغبة في التبرير: لم نعد نشعر بضرورة شرح “لماذا فعلنا” أو “ماذا قصدنا”. من أراد أن يفهمنا بالخير فله ذلك، ومن اختار غير ذلك فله ما اختار.
تتساوى عودة الودّ وجفاؤه: يستوي في عينيك من بَقِيَ ومن رحل، لأن سلامك الداخلي لم يعد مرهوناً بوجود أحد أو غيابه.
يصمت ضجيج الآراء: لا يعود لما يُقال في الخفاء وزن، ولا لكيف يراك الناس أثر. فالنظرة السطحية لا تعكس جواهر القلوب، وما ظنه بك العابرون لا يغير من حقيقتك شيئاً.
إن أعظم ما يمنحه الله للعبد في هذه الحياة هو “غنى النفس وزكاء السريرة”. أن تنام في نهاية اليوم وأنت تعرف يقيناً صدق نيتك، ونقاء قلبك، دون أن تحمل بغضاءً لأحد، ودون أن تنتظر ثناءً من مخلوق.
هذه ليست مرحلة انسحابٍ من الحياة، بل هي مرحلة الاستعلاء الإيماني والنفسي على الصغائر؛ مرحلةٌ تصبح فيها كلمة “الحمد لله” هي الملاذ، والسلام الداخلي هو المكسب الحقيقي الذي لا يُفرَّط فيه لأجل أي سجال.









