الكاتبة والصحفية / وجنات صالح ولي.
ثمة أمور في حياتنا لا تتغير، ليس لأنها أقوى منا دائمًا، بل لأننا اعتدنا وجودها حتى أصبحنا نتعامل معها وكأنها جزء لا يمكن الاستغناء عنه. نشتكي من علاقات تستنزفنا، ونواصل البقاء فيها، نتذمر من ضياع الوقت، ثم نكرر العادات نفسها، ونحزن لقلة التقدير، بينما نربط قيمتنا أحيانًا بنظرة الآخرين إلينا.
نحن بارعون في وصف ما يؤلمنا، وفي تعداد الأسباب التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه، لكننا لا نتوقف كثيرًا لنسأل أنفسنا: ما الذي فعلناه حقًا حتى لا تتكرر الحكاية؟
قد تكون الظروف أقوى من رغباتنا، وقد نجد أنفسنا أمام أبواب أُغلقت دون اختيار منا، أو تجارب لم نكن مستعدين لها. وليس من العدل أن نحمل الإنسان مسؤولية كل ما يحدث له، فهناك أوجاع لا يختارها، وخسارات لا يملك ردّها، وأقدار لا يستطيع تغييرها.
لكن ما لا ينبغي أن نغفله هو أن عجزنا عن تغيير بعض الظروف لا يعني عجزنا عن تغيير طريقة تعاملنا معها.
فليس كل ما يحدث لنا تحت سيطرتنا، لكن كثيرًا من قراراتنا اللاحقة يقع ضمن مسؤوليتنا. نستطيع أن نضع حدًا لعلاقة تؤذينا، وأن نتوقف عن تكرار عادة تستنزف أيامنا، وأن نعيد ترتيب أولوياتنا، وأن نغادر مكانًا لم يعد يشبهنا، حتى وإن احتاجت تلك الخطوة إلى شجاعة وتأجيل بعض الأمنيات.
المؤلم حقًا أن يكتشف الإنسان بعد سنوات أنه لم يكن ينتظر تغير الظروف بقدر ما كان ينتظر أن تأتيه الشجاعة من الخارج، وأن يتخذ الآخرون القرارات التي كان عليه اتخاذها بنفسه.
كم سنة قد يخسرها الإنسان وهو ينتظر اعتذارًا لن يأتي؟ وكم فرصة تمر أمامه لأنه يخشى بداية لا يعرف نهايتها؟ وكم مرة يمنح الأشياء والأشخاص فرصة جديدة، بينما لا يمنح نفسه فرصة واحدة ليعيش بطريقة مختلفة؟
إن التغيير لا يعني أن ننقلب على حياتنا دفعة واحدة، ولا أن نتخلى عن كل ما عرفناه، بل أن نمتلك الشجاعة لمراجعة ما اعتدناه، والتمييز بين ما يستحق الصبر وما أصبح استنزافًا، وبين ما لا نستطيع تغييره وما نستطيع إنهاء أثره في داخلنا.
ولعل أكثر ما يحتاج إليه الإنسان هو أن يتصالح مع حقيقة بسيطة: ليست كل خسارة بسبب الظروف، وليست كل نجاة مرتبطة بتغيرها. أحيانًا تكون النجاة في قرار تأخر كثيرًا، وفي كلمة قلناها أخيرًا، وفي باب أغلقناه بعدما أرهقنا الوقوف أمامه.
لا تنتظر أن تصبح الحياة كما تمنيت حتى تبدأ في عيشها، ولا تجعل سنواتك رهينة لاحتمال أن يتغير الآخرون. راجع اختياراتك، وأنصت إلى ما تخبرك به تجاربك، ولا تخلط بين الصبر على ما يستحق والاعتياد على ما يؤذيك.
فالسؤال الذي يستحق أن نواجه به أنفسنا ليس: لماذا لم تتغير حياتي؟ بل: ما الذي ما زلت أؤجّل تغييره رغم أن القرار أصبح بين يدي؟
فبعض السنوات لا نستعيدها، وبعض الفرص لا تعود، لكننا نستطيع دائمًا أن نمنع الأمس من أن يقرر شكل الغد.







