من جيزان إلى الهند

 

احمد على احمد بكرى

“من جيزان إلى الهند: رحلة تجارة الميل وأسرار.. كيف صاغ البحر هوية أبناء جيزان و فرسان؟”

على مرمى حجر من مهرجان “الحريد” السنوي في فرسان، الذي يُحيي تراث الصيد والغوص، تتنفس جيزان وفرسان تاريخًا بحريًا يمتد إلى مئات بل آلاف السنين. هنا، حيث تُعلّم الأمواج الإنسان التواضع، وتُحفر دروس الحياة على جدران السفن الخشبية، تروي حكايات الأجداد عن رحلاتٍ تجاريةٍ بطوليةٍ وصلت إلى سواحل الهند، حاملين البن واللبان ، عائدين بالخيرات مثل الأخشاب و الدهان العطرية و البهارات و الحرير الهندي (الميل )، في رحلةٍ شاقةٍ صنعت منهم أسيادًا في فنون الملاحة.

عندليب البحر الأحمر: رحلات تجارية تخطّت الحدود:

لم تكن رحلات أبناء جيزان وفرسان مجرد إبحارٍ عشوائي، بل كانت رحلاتٍ مدروسةً بذكاءٍ فطري. فقبل اختراع الأجهزة الحديثة، اعتمدوا على النجوم واتجاهات الرياح الموسمية، مثل رياح “الكوس” الصيفية التي كانت تحمل سفنهم من ميناء جيزان إلى موانئ الهند وسريلانكا. تقول أم محمد، حفيدة أحد أشهر الملّاحين: “جدي كان يروي كيف أنهم تعلموا من الهنود فنونًا جديدةً في بناء السفن، بينما علّموهم هم طرقَ صيد اللؤلؤ”.

السفينة الشراعية (الصنبوق اوالسنبوك): مدرسة الصبر والعِشرة:

على ظهر “الصنبوق او السنبوك”، السفينة الخشبية التقليدية، تختصر الحياة كلها:

– الصلابة: “من يبكي على البحر يغرق”.. مثلٌ شعبي يلخص فلسفتهم في مواجهة الأعاصير.

– التكافل: نظام “القرينية” (الشراكة في الرحلات) جعل الربح خيطًا يجمعهم قبل الخسارة، فالبحر يُعلّم أن النجاة جماعية أو لا تكون.

– الذكاء: حتى اليوم، يستخدم صيادو فرسان إشاراتٍ مثل “اصفرار الأفق” للتنبؤ بالطقس، متحدين توقعات الأرصاد الحديثة أحيانًا!

البحر في دمائهم: من الغوص إلى “الحريد”

قبل أسابيع من انطلاق مهرجان الحريد (الذي يُقام مع تجمع أسماك “الحريد” النادرة حول جزيرة فرسان)، تتحول الجزيرة إلى ورشة عملٍ فنية: شباك تُصلح، قوارب تُدهن، وأغانٍ شعبية تُعاد. المهرجان ليس احتفالًا بالصيد فحسب، بل بطريقة حياةٍ توازن بين الاحتياج البشري واحترام البيئة، تمامًا كما فعل الأجداد عند إبحارهم إلى الهند دون إفراطٍ في استغلال البحر.

الختام:

فيما تستعد فرسان لاستقبال زوار مهرجان الحريد، يبدو البحر الأحمر وكأنه يهمس للعالم: “هنا، حيث التقى الإنسان بالبحر، وُلدت حضارةٌ لا تعرف سوى لغة الأمواج”. حضارةٌ ترويها شباك الصيد المعلقة على الجدران، وأسماء السفن القديمة المحفورة على الصخور، وهمسات الملّاحين القدامى الذين رأوا في الهند لياليَ لم يرها غيرهم.

التُقطت هذه الصورة عام 1962م_1381هـ ، قبل نحو 61 عامًا، وتُظهر جانبًا من صناعة بحرية عريقة قرب ميناء جيزان، حيث تبدو سفن “السنبوك” التجارية التي يعود نمطها لقرون مضت.

خضران الزهراني

Related Posts

كلمات حبيسة… ومشاعر لم يفصح عنها

دكتورة لبني يونس بعض الكلمات تبقي حبيسة حناجرنا، تعلن العصيان والتمرد علينا، تأبي الخروج من داخل قلوبنا وكأنها متفقة معهم علي تعذيبنا أكثر ، أو أنها تؤمن أن مكانها في القلب وأن هؤلاء لا يستحقون أن يسمعوا تلك الكلمات التي تُقيم في صدورنا مذبحة لحرية مشاعرنا وتعبيرنا عما بداخلنا هم السبب فيها ، يتركوننا نعيش داخل تلك الدوامة التي تخلقها أفعالهم والمتاهة التي يخلقها كلامنا الذي…

حين تعود الذاكرة … بعد ربع قرن

    د . علي إبراهيم خواجي   هناك لحظات في العمر لا تُقاس بالزمن ، بل بما تتركه في القلب من أثر ، وما تغرسه في الروح من حنين .   ومن بين تلك اللحظات كان لقاء زملاء العمل في مدرسة عبدالرحمن بن عوف في جبل حبس ، بعد خمسةٍ وعشرين عامًا من الغياب ، حدثًا استثنائيًا أعاد للذاكرة نبضها ، وللأيام دفئها .  …

لقد فاتك ذلك

كلمات حبيسة… ومشاعر لم يفصح عنها

كلمات حبيسة… ومشاعر لم يفصح عنها

تعليم الطائف‬⁩ يسدل الستار عن مشاركته المتألقة في مهرجان الورد بـ 8 ألاف زائز ومشاركة واسعة من طلبة المدارس

تعليم الطائف‬⁩ يسدل الستار عن مشاركته المتألقة في مهرجان الورد بـ 8 ألاف زائز ومشاركة واسعة من طلبة المدارس

الرئيس التشادي يؤدي صلاة الجمعة بجامع الجزائر

الرئيس التشادي يؤدي صلاة الجمعة بجامع الجزائر

البلوزة الوهرانية.. بين الإرث العريق والطموح العالمي

البلوزة الوهرانية.. بين الإرث العريق والطموح العالمي

سفيرة الهند تشيد بنوعية الشراكة الجزائرية-الهندية

سفيرة الهند تشيد بنوعية الشراكة الجزائرية-الهندية

ديوانية الحمدية في جزرالقمر مورد ثقافي كبير:

ديوانية الحمدية في جزرالقمر مورد ثقافي كبير:

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode