لا تتعلق بغيمة. مطرها لغيرك

 

بقلم:احمد علي بكري

في أفق النفس تلوح غيمةٌ رقيقة، تنتظر من يعبدها بقلوبٍ معلقةٍ بين طياتها. نراها رمزيةً لأملٍ هشٍّ، أو لشيءٍ نريده؛ ترانيم سعادةٍ أو خلاصٍ. لكن الحكمة تهمس لنا:

«لا تتعلق بغيمة. مطرها لغيرك..! »

في هذه الجملة، دعوةٌ صامتةٌ لعدم توطيد سعادتنا أو خلاصنا على أوهامٍ لا صلب لها. الغيمة تمثل انتظارنا لقدرٍ خارجيٍّ تصنعه الظروف؛ اعتمادٌ على ما لا نستطيع التحكم فيه. وما المطر إلا هبةٌ سماويةٌ تصبّ على أرضٍ أخرى، لا سندَرّ منه إلا القليل. ربما ينسكب على طرقاتٍ بعيدة، أو يتخلل حقولاً لا نزرعها. وهكذا تحوّل تعلقنا بالغيمة إلى وَهْمٍ نطفئ به جذوة إرادتنا الذاتية.

هنا يتجلّى التحرر حين نعي أن سعادتنا منحةً من رب السماء، خلقنا لها أجساماً وأرواحاً. هي ثمار اجتهادنا و دعينا، لنزول مطرٍ عليها من حيث لا ندري. فكلما انتظرنا غيمةً ما، ضاعت منا لحظةٌ نبني فيها قوةً حقيقية؛ لحظةٌ نزرع فيها بذرة الأمل في تربة الإرادة، لا في ضباب الأماني.

وفي هذا المنحى، تهفو النفس إلى الأناة والرؤية الصافية

حين لا نتعلق في غيمة، نسمح لأنفسنا بالوقوف على أرضٍ صلبة، نستشعر رائحة التربة، ونسمع خشخشة الأوراق تحت أقدامنا. نجنب أنفسنا خيبة الأمل حين لا تهطل الأمطار، ونتعلم قدرة الصبر حين يغيب المطر. نكتشف في عمقنا منابع الحكمة التي لا تتأثر بغياب الغيم، بل تنبض بثقةٍ بتجدد الفصول، وبميلاد شمسٍ بعد ليلٍ طويل.

ان تلك الدموع التي ندرفها و ننتظرها من السماء ان تمسح وجناتنا، فتجفّ وتترك أثراً من الأمل، هي في الواقع قوتنا الكامنة. فإذا هطل المطر على غير أرضنا، فلن نستنشق عطراً دافئاً للزيتون، ولا نسمع تغريد العصافير التي تسعد بقطراتٍ تكبر الينابيع. وهنا ندرك أننا لو أودعنا جهودنا في ذواتنا، كنا سنحصد أغصان الرضى والطمأنينة بلا انتظار.

انها دعوةٌ لتنساب مشاعرنا كسيلٍ نابعٍ من القلب، لا كخيطٍ رفيعٍ معلقٍ بغيمةٍ لا نستطيع لمسها. لنجسد أحلامنا بأيدينا؛ لنبنِ بحبٍّ جدران حصوننا الداخلية، ونغرس عليها أقمارَ اليقين. فالهواء يُغنّي حين يمتزج بندى اليقظة، والماء يسري في عروق العزيمة أكثر مما يسبغه المطرُ من الخارج.

لا تتعلقْ في غيمة، مطرها لغيرك. تعلقْ في ذاتك، ففيك مصدرُ الدفءِ والضياءِ. هناك تنبت الأزهار الحقيقية، ويُثمر الصبر أطيب الثمار؛ هناك تُشرق شمس الحياة على قلبٍ قرر ألا يترنّح بريح الانتظار، بل يرقص على إيقاع صنعه بنفسه.

صدى نيوز إس 5

Related Posts

الغباء ليس عيباً

عبدالله الميمان الذكاء جودة الفهم وحسن استعماله، والغباء ضعف هذا الفهم أو قصور فيه. أما الأخلاق فشيء آخر تماماً: صدق، عدل، تواضع، ومسؤولية عما نستطيع أن نغيّره. لذلك، الغباء ليس عيباً أخلاقياً. فالعيب ما يختاره الإنسان كالكذب، والظلم، والتكبر. أما بطء الفهم فغالباً لا يُختار. بعض الناس أسرع فهماً وبعضهم أبطأ، وهذا فرق قدرة لا فرق قيمة. والتباين طبيعي، فيه الذكي وفيه الأذكى، لا صنفان فقط.…

جمعية خبراء السياحة.. حين تتحول الخبرة إلى أثر

بقلم أ. غميص الظهيري في وطنٍ تتسارع فيه خطوات التنمية، وتتسع فيه آفاق الطموح، أصبحت السياحة السعودية واحدة من أبرز ملامح التحول الذي تشهده المملكة، ليس بوصفها قطاعًا اقتصاديًا واعدًا فحسب، وإنما باعتبارها جسرًا يصل المملكة بالعالم، ويقدم ثراءها الحضاري والثقافي والطبيعي، ويمنح الزائر فرصة لاكتشاف وطنٍ يمتلك من التنوع والإرث والمقومات ما يجعله وجهة استثنائية. وفي خضم هذا الحراك المتنامي، تبرز جمعية خبراء السياحة بوصفها…

لقد فاتك ذلك

القاهرة تستضيف الدورة الـ52 لمؤتمر العمل العربي بمشاركة 21 دولة..الأحد المقبل

القاهرة تستضيف الدورة الـ52 لمؤتمر العمل العربي بمشاركة 21 دولة..الأحد المقبل

زملاء الأمس يجددون لقاء الوفاء ويعيدون شريط ذكريات سنوات العمل

زملاء الأمس يجددون لقاء الوفاء ويعيدون شريط ذكريات سنوات العمل

الدكتور علي مرزوق يشارك ببحث عن “الآثار الغارقة” في الملتقى الـ25 لجمعية التاريخ والآثار الخليجية

الدكتور علي مرزوق يشارك ببحث عن “الآثار الغارقة” في الملتقى الـ25 لجمعية التاريخ والآثار الخليجية

الغباء ليس عيباً

الغباء ليس عيباً

علي آل شرية مدير لإدارة المسؤولية المجتمعية بجامعة نجران

علي آل شرية مدير لإدارة المسؤولية المجتمعية بجامعة نجران

مزرعة بوابة الحجاز تحتضن الرحلة العائلية الفنية الثامنة والثلاثون وتكرّم الكابتن جلال الغربي

مزرعة بوابة الحجاز تحتضن الرحلة العائلية الفنية الثامنة والثلاثون وتكرّم الكابتن جلال الغربي

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode