طعنات لا تندمل: حين يكتب القلم ما لا يشطبه السيف

 

بقلم: أحمد علي بكري

أرسل لي الصديق العزيز عادل البكري المسرحي ذات صباح فكرة تأملية عميقة، قال فيها:

“حين يجتمع القلم والسيف، يتشكل نوعٌ خاص من القوة: مزيج بين الفكر والعمل، يمكن أن يُنظر إلى هذا الاجتماع على أنه توازن بين الحكمة والقوة، حيث يعمل القلم على توجيه السيف ويعطيه غاية، بينما يضمن السيف تنفيذ ما يكتبه القلم على أرض الواقع.”

تأملت عبارته كثيرًا، ودخلت معه في نقاش طويل حمل بين سطوره احترامًا متبادلًا للفكر والعقل، وللدم والتاريخ أيضًا، فنبتت في رأسي فكرة هذا المقال، الذي أطرحه الآن أمامكم.

القلم والسيف: كفتان لميزان واحد

في موازين العدالة والظلم، لا يكون السيف وحده هو الفيصل. فالسيف وإن جرح جسدًا، فإن القلم قد يجرح روحًا. السيف قد يقطع طريقًا، لكن القلم قد يغيّر مصيرًا. فكما أن السيف يجرح ويُعدِل ويظلم، فإن القلم أيضًا يعدل ويظلم، بل إن جراح القلم تبقى أشد وأنكى، لأنها تصيب المعنويات وتخترق الكرامات، وتُخلِّف وراءها ندوبًا لا تُرى، لكنها لا تُنسى.

السيف إن جرح، فإن الدواء قد يداويه، والزمن قد يطويه. أما جراح الكلمة، فإنها تسكن في القلب، وتستقر في الذاكرة، كطعنة معنوية تعيش معك كأنها نبضٌ مكسور لا يتوقف.

القلم يقتل، لكنه لا يُسقط الجسد؛ بل يتركه حيًا يتلوى بين أسطر الكلمات، يموت كل يوم في نظر الناس أو في نظر نفسه، يتوارث أثر الجراح أجيالٌ لم تكن طرفًا فيها. وكم من كلمة ظالمة بقيت عارًا، وكم من كلمة عادلة بقيت مجدًا يتفاخر به الناس.

الحطيئة… حين جعل بيتًا من الشعر درعًا لقبيلة

ولعل أبلغ الشواهد على سلاح القلم في الرفعة والخذلان، ما حدث مع قبيلة بني أنف الناقة، الذين كان يُضرب بهم المثل في الهوان والسخرية، وكان اسمهم يثير الضحك والتقزز في مجالس العرب.

لكن، ما أن تناولهم شاعر السخرية والفخر، الحطيئة — جرول بن أوس، ذلك الذي إن هجا أوجع، وإن مدح رفع — حتى قلب موازين النظرة إليهم، ومجدهم في بيتين أصبحا أيقونة للفخر العربي:

سيري أمام فإن الأكثرين حصىً

والأكرمين إذا ما يُنسبون أبـا

قوم هم الأنف، والأذناب غيرهم

ومن يسوِّي بأنفِ الناقة الذّنبا؟

هنا لم يكن السيف من ردّ عنهم سخرية العرب، بل كان بيت شعر، كلمة واحدة مصوغة بكرامة، قادرة على أن تبني مجدًا تهدمه الجيوش لو حاولت. كان الحطيئة بسيف قلمه أقوى من ألف فارس مدجج، بدّل اسم قبيلة من مذمة إلى مفخرة، ومن ذل إلى شرف.

حين يتحالف الحبر مع الحديد

وفي صفحات التاريخ، لا تغيب مشاهد التلاحم بين القلم والسيف. في أعظم اللحظات، اجتمع الحكيم مع القائد، والمفكر مع المحارب، والمثقف مع صانع القرار. القلم يرسم الرؤية، والسيف يحرس تنفيذها. فالعقل وحده لا يكفي لبناء دولة، والقوة وحدها لا تكفي لحمايتها.

حين اجتمع القلم والسيف في يد العادل، استقامت الأمم. وحين افترقا، أو تسلّط أحدهما دون الآخر، وقع الخراب: فإما سيف متوحش بلا عقل، أو قلم جبان عاجز بلا قوة.

كلمات تُشعل… وكلمات تُصلح

القلم مسؤولية. هو ليس فقط أداة تعبير، بل هو سلطة خفية، قد تفتك أكثر مما يفتك سلاح ناري. كم من مقالة أسقطت نظامًا، وكم من كلمة حرّضت على ثورة، وكم من شائعة موثقة زيفًا أنهت سيرة رجل بريء.

وفي المقابل، كم من قلم نشر وعيًا، وصنع سلمًا، وحمى وطنًا، ورمّم جراحًا كانت تنزف بصمت.

خاتمة: السيف من حبر

علينا أن ندرك أن مسؤولية القلم لا تقل عن مسؤولية السيف، بل قد تفوقها أثرًا وبقاءً. فكم من قلمٍ صنع حضارة، وكم من كلمة هدمت أمة، وكم من حرف أنار طريقًا أو أضلّ سُبلاً.

فلنكن على وعي بأن بين أيدينا “سيفًا من حبر”، قادر على أن يكون عدلًا خالدًا، أو ظلمًا ممتدًا…

إنه القلم، فاحذروا أن تجعلوه يُجيد الطعن أكثر من السيف.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

حُرّاس المجد.. وصُنّاع الأمل

    بقلم / أميرة مشاري ـ جازان   خلف كل جنديٍّ حكاية إنسان؛ أمٌّ تودّعه بالدعاء، وأبٌ يخبّئ فخره في نظرة، وزوجةٌ تتقاسم معه مشقة الغياب، وطفلٌ ينتظر عودته ليحكي له تفاصيل يومه. يعرف الجندي قيمة تلك اللحظات التي تفوته، ويحمل شوقه إلى أحبته وهو يؤدي واجبه؛ فكل بيتٍ يحميه يشبه بيته، وكل طفلٍ ينام آمنًا يذكّره بمن ينتظرونه. ومن هنا تتجلّى عظمة التضحية؛ في…

حين تكتشف أن الزمن سرق منك حياةً كنت تظنها حياتك

  بقلم أحمد علي بكري ليست أكثر الحقائق إيلامًا تلك التي تأتي على هيئة صدمة مفاجئة، بل تلك التي تتسلل إلى أعماقنا بهدوء، ثم تستقر في أرواحنا كأنها كانت تنتظر اللحظة المناسبة لتكشف لنا ما عجزنا عن رؤيته طوال سنوات. ومن بين هذه الحقائق أن يستيقظ الإنسان ذات يوم، فيتأمل ماضيه كأنه يتأمل حياة شخص آخر، فيرى في ذكرياته ملامح إنسان كانه هو، لكنه لم يعد…

لقد فاتك ذلك

أمير جازان ونائبه يعزيان مدير شركة المياه الوطنية بالمنطقة في وفاة والده

أمير جازان ونائبه يعزيان مدير شركة المياه الوطنية بالمنطقة في وفاة والده

نائب أمير منطقة جازان يُشارك في الحملة الوطنية السنوية للتبرع بالدم

نائب أمير منطقة جازان يُشارك في الحملة الوطنية السنوية للتبرع بالدم

السيسي يشهد افتتاح منتدى مصر فى نسخته الأولى

السيسي يشهد افتتاح منتدى مصر فى نسخته الأولى

حُرّاس المجد.. وصُنّاع الأمل

حُرّاس المجد.. وصُنّاع الأمل

برنامج الأغذية العالمي يخفّض عملياته في غزة.. نصف مليون شخص دون مساعدات

برنامج الأغذية العالمي يخفّض عملياته في غزة.. نصف مليون شخص دون مساعدات

«مؤسسة زاهي حواس للآثار والتراث» تطالب بتأمين وحماية الآثار المصرية بـ «لوفر باريس» 

«مؤسسة زاهي حواس للآثار والتراث» تطالب بتأمين وحماية الآثار المصرية بـ «لوفر باريس» 

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode