كبسولة وعي.. الآلة الصامتة: كيف بنى المركز الوطني بنية الاستثمار الاجتماعي في المملكة؟

 

بقلم: حارث بن علي العسيري

الباحث في مجال الاستثمار الاجتماعي

في عمق التحول الذي يشهده القطاع غير الربحي في المملكة، لم يكن الصوت الأعلى هو الأكثر تأثيرًا، بل كانت هناك آلة صامتة تعمل بإصرار، تؤسس وتبني، وتُمهّد الطريق نحو استثمار اجتماعي حقيقي. هذه الآلة هي المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي، الذي لم يكتفِ بإعلان التغيير، بل وضع أدواته، وهندس تفاصيله، وراقب أثره.

منذ تأسيسه، لم يتعامل المركز مع الاستثمار الاجتماعي كفكرة مجردة، بل بوصفه نظامًا متكاملًا يحتاج إلى بنية تحتية، وأدلة إجرائية، ومنصات ذكية، ومؤشرات دقيقة. وهكذا بدأ العمل بهدوء، من العمق إلى السطح، من الداخل إلى الخارج.

أطلق المركز مجموعة من الأدلة الإجرائية التي غيّرت فهم الجمعيات للعمل التنموي، ووجهتها نحو التفكير بالاستثمار لا بالاحتياج. هذه الأدلة لم تكن مجرد أوراق، بل خارطة طريق لفِرق العمل، وإطار ذهني جديد يُعيد تعريف النجاح والتأثير.

أما منصة قياس الأثر الاجتماعي، فهي قصة أخرى من قصص الابتكار المؤسسي، حيث وفرت أكثر من 120 مؤشرًا وطنيًا لقياس الأثر غير المالي للمشاريع. لم تعد الجمعيات تقيس إنجازاتها بعدد المستفيدين فقط، بل بمقدار التحوّل الذي أحدثته في حياة الناس.

وفي جانب التمويل، قدّم المركز نموذج العائد الاجتماعي على الاستثمار (SROI)، وهو أداة متقدمة تتيح للجهات الخيرية احتساب القيمة الاجتماعية الناتجة عن كل ريال يتم استثماره. هذا النموذج أعاد تعريف الكفاءة المالية، وربط المال بالمعنى، والتمويل بالأثر.

ومن خلال توقيع شراكات مع 12 جهة من القطاع الخاص، نقل المركز فكرة الاستثمار التشاركي من مجرد شعار إلى ممارسة حقيقية. لم يعد القطاع الخاص متفرجًا، بل شريكًا استراتيجيًا في تصميم وتنفيذ الحلول التنموية.

لقد أنتج هذا الحراك مصطلحات جديدة، ومفاهيم غير مألوفة أصبحت اليوم جزءًا من لغة الجمعيات: “العائد الاجتماعي”، “تقييم الأثر”، “الوحدات الاستثمارية”، “التمويل القائم على النتائج”… وكلها دلائل على ولادة ثقافة جديدة.

إن ما فعله المركز الوطني لم يكن ضجيجًا إعلاميًا، بل كان تأسيسًا معرفيًا ومنهجيًا، قاد إلى تحوّل هادئ لكنه عميق، وخلق قطاعًا غير ربحي أكثر نضجًا، وأقرب إلى الرؤية الوطنية 2030.

وقد آن الأوان للبناء على هذه المنجزات، وتسريعها، وتوسيعها ، ليكون الاستثمار الاجتماعي ليس استثناءً… بل هو القاعدة.

وهنا، تبدأ كبسولة وعي جديدة، نطرح فيها تساؤلًا محوريًا للمقال القادم:

كيف غيّر المركز الوطني مفهوم العطاء في المملكة؟ وكيف ساهم في التحوّل من التبرع إلى الأثر؟

تأملاتنا المقبلة ستكون بعنوان: التحوّل من التبرع إلى الأثر: كيف غيّر المركز مفهوم العطاء في المملكة؟ لنواصل معًا هذه الرحلة الفكرية الهادئة نحو قطاع غير ربحي أكثر وعيًا وتأثيرًا.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

حسن الظن بالله مفتاح المواهب والأرزاق

  صحيفة صدى نيوز S يوسف بن سالم /الرياض ليس التفاؤل ترفا فكريا ولا حسن الظن بالله مجرد كلمات تقال عند الشدة بل هو عقيدة راسخة ومنهج نبوي يفتح للعبد أبوابا لا تفتحها الأسباب المادية وحدها تأملوا هذه الحكمة التي تلامس القلب أحسنوا الظن بربكم وتفاءلوا وافتحوا لأنفسكم أبواب الأمل تفتح لكم أبواب السماء بالمواهب والأرزاق والبركات والفتوحات إنها معادلة ربانية واضحة ومختصرة البداية منك والنهاية…

سطوة الحنان

  بقلم / سلافه سمباوه قد يبلغ الإنسان الخمسين، ويظل في أعماقه طفل يضيء وجهه حين تسمعه أمه، وينكمش قلبه حين تستخف بما يؤلمه. وللعمر أن يغير ملامحنا ومنازلنا وأعمالنا، وتبقى للكلمة الأولى في أرواحنا منزلة يصعب أن ينازعها كلام الآخرين. فمن البيت عرفنا شيئاً عن قيمتنا، ومن وجوه أهلنا تعلمنا كيف نستقبل الحياة. والفرح ينبت في الداخل، حيث يصالح المرء نفسه ويطمئن إلى حقه في…

لقد فاتك ذلك

حسن الظن بالله مفتاح المواهب والأرزاق

حسن الظن بالله مفتاح المواهب والأرزاق

سطوة الحنان

سطوة الحنان

ومن يتوكل على الله فهو حسبه سر الكفاية الإلهية

ومن يتوكل على الله فهو حسبه سر الكفاية الإلهية

تجمع مكة الصحي يطلق مركز الاتصال الموحد لتعزيز تجربة المستفيدين 

تجمع مكة الصحي يطلق مركز الاتصال الموحد لتعزيز تجربة المستفيدين 

نادي جبر الخواطر يقيم مبادرة «قلوب تلتقي وفرحة تبقى» في الرياض برعاية منتجع بلوفا

نادي جبر الخواطر يقيم مبادرة «قلوب تلتقي وفرحة تبقى» في الرياض برعاية منتجع بلوفا

أمير جازان يرأس اجتماعًا لمناقشة روزنامة فعاليات المنطقة للعام القادم 2027

أمير جازان يرأس اجتماعًا لمناقشة روزنامة فعاليات المنطقة للعام القادم 2027

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode