الرئيسية سياحة رابيدوم.. التاريخ المهجور

رابيدوم.. التاريخ المهجور

594
0

الجزائر _ كمال فليج 

في قلب جبال التيطري، وعلى بعد اقل من 100 كم  من مدينة المدية، تستقر أطلال مدينة رومانية عريقة تحمل اسم رابيدوم، أو كما يسميها بعض المؤرخين “المدينة المنسية”. ورغم ما تختزنه من شواهد حضارية وتاريخية تعود إلى أكثر من ثمانية عشر قرنًا، إلا أنّ هذا الموقع الأثري ما يزال بعيدًا عن دائرة الاهتمام التي يستحقها، ليظل شاهدًا صامتًا على حضارة غابرة وتاريخ مهجور.

ميلاد مدينة على خط النار

تأسست رابيدوم في عهد الإمبراطور الروماني هادريان حوالي سنة 122 ميلادية، كحامية عسكرية ضمن ما عُرف بخط الدفاع الروماني “الليمس”، الذي امتد عبر شمال إفريقيا ليحمي حدود الإمبراطورية من هجمات القبائل الأمازيغية. ومع مرور الوقت، تجاوزت رابيدوم دورها العسكري، لتتحول إلى مدينة مكتملة المعالم، وفق التخطيط العمراني الروماني المعروف بنظامي الديكومانوس والكاردو (الشوارع المتقاطعة).

مركز حضاري وتجاري

في أوج ازدهارها، خاصة ما بين 167 و250 ميلادية، بلغ عدد سكان رابيدوم نحو ثمانية آلاف نسمة، جمعت بين الجنود الرومان، والتجار، والحرفيين، والسكان الأصليين من الأمازيغ. فكانت بمثابة جسر حضاري وثقافي، حيث تبادل فيها الرومان والبربر السلع والخبرات، وشهدت نشوء طبقة اجتماعية هجينة حملت سمات الطرفين.

لم تقتصر المدينة على الوظيفة العسكرية، بل ضمت الأسواق والحمامات العامة والمعابد والمساكن الفخمة، مما جعلها واحدة من أبرز الحواضر الرومانية في المنطقة، إلى جانب مدن مثل تيبازة وتيمقاد وجميلة.

من الازدهار إلى الخراب

غير أنّ هذا الازدهار لم يدم طويلًا. ففي أواخر القرن الثالث الميلادي، اندلعت انتفاضات شعبية مناهضة للوجود الروماني في المنطقة، فكانت رابيدوم من أبرز المدن التي دفعت الثمن. ما بين 270 و275م تعرضت المدينة للتخريب والتدمير، وبدأت مسيرة أفولها. ورغم محاولات الاستيطان الجزئي خلال القرن الرابع، إلا أنّها لم تستعد مكانتها السابقة، وظلت بقايا حضارة ماضية سرعان ما غمرها النسيان.

محاولات كشف المستور

عرفت رابيدوم بعض الاهتمام خلال الحقبة الاستعمارية الفرنسية، حيث أشرف المؤرخ الفرنسي ستيفان غزل على أولى الحفريات سنة 1904، تلتها حملات تنقيب أخرى بين 1908 و1933، ثم في خمسينيات القرن الماضي. لكن هذه الجهود، وإن كشفت عن أجزاء مهمة من الموقع، فإنها ظلت محدودة، ولم تُكشف سوى نسبة ضئيلة مما تخفيه الأرض من آثار ومعالم. والأسوأ أنّ جزءًا كبيرًا من آثارها تعرّض للنهب والنقل إلى متاحف فرنسية.

رابيدوم اليوم.. صمت الأطلال

اليوم، يقف الزائر إلى موقع رابيدوم أمام أطلال صامتة، أسوار متداعية وأحجار متناثرة بين الحقول، شاهدة على مدينة كانت تعج بالحياة قبل قرون. ومع أنّها مُصنفة كموقع أثري، فإنها تفتقر إلى الحماية الكافية، والبنية التحتية التي تؤهلها لتكون وجهة سياحية وثقافية بارزة.

دعوة لإحياء الذاكرة

إنّ إعادة الاعتبار لرابيدوم ليست مجرد واجب ثقافي أو تاريخي، بل هي استثمار في الهوية الوطنية. فالموقع يمكن أن يكون فضاءً سياحيًا وتعليميًا وبحثيًا، يجذب الزوار والباحثين، ويعيد إلى الأذهان أنّ الجزائر لم تكن مجرد ساحة صراع، بل أرضًا احتضنت حضارات عريقة تركت بصماتها على مر العصور.

لقد آن الأوان لكي نُنفض الغبار عن هذا الإرث، ونجعل من رابيدوم ذاكرة حيّة بدل أن تظل مجرد أطلال منسية في ذاكرة الزمان.

رابيدوم ليست مجرد حجارة متناثرة ولا جدرانًا صامتة تتحدى الريح، بل هي ذاكرة نائمة في حضن الأرض، تنتظر من يوقظها. هنا مرّت أقدام الجنود، وارتفعت أصوات الباعة في الأسواق، وتعالت الصلوات في المعابد… ثم خيّم الصمت، فابتلعت الرمال صخب الحياة، ولم يبق سوى صدى التاريخ.

إنّها قصة حضارةٍ قامت، ومدينةٍ ازدهرت، ثم اندثرت؛ لكنها ترفض أن تُمحى من الوجدان. فمن يمرّ اليوم بين أطلال رابيدوم يشعر وكأن الحجارة تناديه، وتهمس:
“لا تتركوني في الهامش، فأنا فصل من كتابكم… أنا التاريخ المهجور.”